فورين بوليسي: الحماية الأميركية ليست بديلا عن إصلاح حقيقي وشفاف من داخل الأردن نفسه

41

نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالا للأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة تيمبل الأميركية شين يوم خصصه للوضع في الأردن. واختار الباحث عنوانا لمقالته «الأردن أصبح مملكة موز» وحذر فيه من أن البلد ينهار أمام سمع ونظر أميركا.

وأشار في بداية المقال إلى احتفال الأردن بالمئوية الأولى على إنشاء المملكة الأردنية الهاشمية والتي غطت عليها «قضية حمزة»، حيث بدأت الهزة الأرضية قبل أسبوعين عندما اعتقلت الأجهزة الأمنية عددا من الرموز البارزة بتهمة الترويج لانقلاب، ومن بين هؤلاء الأخ غير الشقيق للملك عبد الله الثاني، الأمير حمزة، والذي طلب منه قطع الاتصالات مع مشايخ العشائر الساخطين على الوضع المعيشي الصعب والفساد المستشري بشكل بات بعضهم يرى فيه اختيارا أحسن من أخيه.

ويضيف أن البريطانيين قاموا برسم المملكة في 1921 ونصبوا عليها الهاشميين، ومع أنها افتقدت المصادر والمكانة إلا أن الملكية حافظت على الاستقرار عبر رعاية وحماية العشائر، وتحديدا بعد موجات اللاجئين من فلسطين في 1948 و1967. وكانت الصفقة متقشفة ولكنها نجحت وقامت على «الخبز مقابل الولاء»، ومنذ وصول الملك عبد الله الثاني إلى الحكم في 1999 رأى قادة العشائر أن الكثير من الوظائف والخدمات قد اختفت. ودخل الأمير حمزة إلى داخل هذه العلاقة المتوترة بين الملكية والعشائر. ويعتقد الكثيرون أن القضية مصطنعة صممت لحرف نظر الرأي العام عن سوء الإدارة للبلاد خلال العقد الماضي، رغم أن هناك من تحدث عن مؤامرة حقيقية وتدخل سعودي. وزاد انتشار فيروس كورونا من الأوضاع سوءا، حيث ارتفعت معدلات البطالة من 15% إلى 25% وزاد معدل الفقر من 16% إلى 37%، ولم تؤد الوعود الكثيرة من الملك عبد الله بالإصلاح الديمقراطي إلى ثمار حقيقية.

ومع نقد الناشطين من أبناء العشائر للملك، وهو تجاوز- لم ترد الملكية بسياسات أفضل وشفافية بل وزادت من القمع. ولكن قمع المعارضة أو مكائد القصر ليست القصة الحقيقية، فمثل كل الملكيات الأردن لا يتسامح إلا بالقدر مع المعارضة.  لكن ما تكشفه هذه الأزمة هو عن التراجع المؤلم لمحمية أميركية في قلب الشرق الأوسط.

ويقول يوم إن الأردن تحول إلى «ملكية موز» باتت شرعيتها ممزقة وتحتاج للدعم والسلاح من واشنطن للنجاة. وتخلت عن الكثير من سيادتها عبر معاهدة الدفاع التي وقعت في كانون الثاني بدون معرفة الرأي العام، ما أعطى الجيش الأميركي حقوقا غير مقيدة للعمل في كل المملكة وتحويلها إلى قاعدة أميركية ضخمة. كل هذا يجعل النظام بطبيعته غير مستعد للتفكير في أي إصلاحات بدون ضغط أميركي واضح. وفي الوقت نفسه لاتزال الولايات المتحدة متواطئة في الأخطاء والانتهاكات السياسية والاقتصادية التي تفكك البلاد. والملك عبد الله الثاني هو اليوم أطول زعيم عربي حكما ويتعامل معه المسؤولون الأميركيون على أنه ملك مؤيد للغرب ويقدمونه على أنه نموذج للاعتدال والإصلاح.

وأكدت إدارة جوزيف بايدن أثناء الأزمة الأخيرة دعمها للملك وما قام به من إجراءات. ودعاه بايدن في مكالمة للبقاء قويا، فيما أثنى أنتوني بلينكن على الشراكة الإستراتيجية الأميركية- الأردنية.

ويعلق الكاتب أن هذه قصة محزنة ولكنها عادية، فكر بإيران في ظل الشاه أو دول غير شرق أوسطية مثل حكومة جنوب فيتنام أو هندوراس في ظل ساموزا. ويظهر التاريخ أنه عندما يتحول الديكتاتور المدعوم جزءا مقدسا من سياسة واشنطن الخارجية، يصبح وغيره أكثر اعتمادا على الدعم الأميركي، بشكل يجعله يقدم الأولوية لواشنطن على مصالح شعبه. وفي حالة الأردن، حافظت الحكومة على سيادة أميركا بالمنطقة وحمت إسرائيل وتجاهلت في الوقت نفسه مشاكل الشعب. وحكام كهؤلاء يستسلمون لأسوأ أنواع الاستبداد المفرط ويثرون أنفسهم وينفرون مجتمعهم منهم. ويتجاهلون الإشارات عن الثورة القادمة على اعتقاد منهم أن أميركا ستنقذهم ولكنها لا تفعل. هذا هو الدافع المهيمن لأنظمة الموز أنها عندما تقوم بتدمير نفسها لا تلتفت إلى عقيدة كيرباتريك والتي تقوم على فكرة أن النظام الفاسد المؤيد للغرب هو أفضل من نظام معاد للديمقراطيات الغربية. ولكنه ينبع من الحقيقة اليومية، فعندما تلتزم الولايات المتحدة ليس فقط بالدفاع عن النظام ولكن إدارة البلاد، فلا تستطيع الخروج. وتواجه الولايات المتحدة تناقضا ظاهريا حيث يخشى صناع السياسة من تخفيض أي جزء من الدعم بشكل يزعزع استقرار الدولة الوكيلة والذي لا تستطيع النجاة بدونه. ومن هنا، فالخيار الوحيد هو استمرار النظام مع أن سياساته هي سبب في عدم الاستقرار.

ولهذا السبب يمكن لإدارة بايدن إعادة وضع معايير جديدة للعلاقة مع السعودية، الدولة الغنية، ولكن من الصعب عمل هذا مع دولة فقيرة مثل الأردن.

وتحول اعتماد البلد على أميركا في أثناء الحرب الباردة، حيث حلت الولايات المتحدة محل بريطانيا في نهاية الخمسينات من القرن الماضي وأصبحت حاميته. وكان تحركا منطقيا ينبع من دعم كل الأنظمة المعادية للكتلة السوفييتية. ولا يوجد في الأردن نفط، لكنه استمر في لعب دور كاسر جيوسياسي يعزل إسرائيل ودول شبه الجزيرة العربية النفطية عن القوى الشيوعية المتشددة والقومية العربية. وبعد نهاية الحرب الباردة أصبح الأردن جزءا لا يتجزأ من الإستراتيجية الأميركية عبر مساعدته في دعم «باكس أميركا» بالشرق الأوسط. وعقد معاهدة سلام مع إسرائيل وساعد في حملات مكافحة الإرهاب وسرع من عملية غزو العراق واستضاف التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية وحول الأسلحة إلى المعارضة السورية المسلحة. وتذهب معاهدة الدفاع الأخيرة خطوة أبعد وهي تجنيد الأردن لخوض حروب الولايات المتحدة في المنطقة. وخلال كل هذه المراحل ساعدت الولايات المتحدة على بناء الدولة الأردنية، وكان الدعم الأجنبي واحدا من الآليات. وتفوق الدعم الاقتصادي الأميركي على كل الموارد الضريبية المحلية، بحيث كان الشيء الوحيد الذي يحافظ على «قلعة الأردن» ويمنع إفلاسها.

بعد نهاية الحرب الباردة أصبح الأردن جزءا لا يتجزأ من الإستراتيجية الأميركية عبر مساعدته في دعم «باكس أميركا» بالشرق الأوسط

لكن الأردن يظل استثناء بين حلفاء واشنطن، فهو قاعدة أميركية تديرها ملكية ويعرف أن أهم بناية فيه إلى جانب القصر في عمان هي السفارة الأميركية. وبالطبع فكونك محمية أميركية له ثمن. والاعتماد على حسن النية الأميركية لم يعط، مثلا، الملك عبد الله هامشا لوقف «صفقة القرن» التي قدمتها إدارة دونالد ترامب لحل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني والتي أغضبت الملك لأنها تبنت مزاعم إسرائيل في الأرض الفلسطينية وهمشت الدور الأردني التقليدي في الوساطة بالنزاع. وحتى في ظل هذه الزوبعة لم تتساءل أبدا إدارة ترامب عن حكمة بقاء الملك عبد الله في الحكم. وهو ما يفسر الدعم الأميركي حتى عندما قامت الحكومة بالضغط على القبائل واعتقال أحد الأمراء. ولم تتخيل أميركا أردنا مختلفا عن هذا لأنها ليست مجبرة. والتاريخ يكشف أن أميركا فشلت في إنقاذ الأنظمة التابعة لها لكن البديل عنها كانت أنظمة معادية لها، فالثورة الإسلامية في إيران هي مثال كلاسيكي، وقريبا من حدودها، النظام الكوبي الذي نتج عن الإطاحة بجمهورية موز أصلية، نظام فلوجينكو باتيستا.

وفي غياب احتمال فرض أميركا الضغوط عن بعد على النظام الأردني للإصلاح، فإن التغيير يقع على عاتق النظام، وهو يعرف أن العشائر لا ترغب فقط بالتغيير والإصلاح، بل كل المواطنين الأردنيين، لأنهم يحتجون منذ الربيع العربي. ويريدون حملات شفافية وتحمل مصداقية لإنهاء الفساد المستشري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.