«فورين بوليسي»: ماكرون مسؤول جزئياً عن فشل خطته لإنقاذ لبنان

وباسيل يعرقل بمطالبته بحق الفيتو والمناصب المهمّة في الحكومة

56

قالت أنشال فوهرا في تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» إن فشل خطة إنقاذ لبنان يتحمل جزءا منها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. فلم يتحقق أي شيء من المبادرة التي أطلقها ماكرون بعد زيارته بيروت العام الماضي بهدف تخليص لبنان من مشاكله المتعددة. فالأسعار تتزايد بشكل مستمر وطوابير الوقود تمتد على أميال فيما قرع الجيش اللبناني الذي لا يحرس أكثر الحدود الحساسة في العالم فقط بل ويحافظ على السلم في مجتمع منقسم، أجراس الخطر من تفككه بسبب الضغوط المالية على الجنود. وكان التدخل الإيراني والخلاف مع الولايات المتحدة حول كيفية التعامل مع حزب الله، سببا في موت المبادرة الفرنسية. إلا أن المشكلة الرئيسية في المبادرة أنها قامت على نفس الطبقة السياسية المتهمة بالكوارث التي يعاني منها لبنان اليوم. وكان رفضها القيام بإصلاحات سببا رئيسيا في انهيار الخطة الفرنسية. ولعب التردد الفرنسي بفرض العقوبات على النخبة السياسية لكي تدفع الثمن عوضا عن مناشدتها لكي تفعل ما فيه صلاح البلد دورا في دمار المبادرة. وفي البداية حمل الكثيرون الآمال، ذلك أن ماكرون كان أول زعيم أجنبي يزور لبنان بعد الإنفجار الضخم في آب وقتل فيه 200 شخص وجرح الألاف وخلف مئات الألاف بدون مأوى. وعندما قام بزيارة كل من حي الجميزة ومار ميخائيل اللذين كانا الأكثر تضررا أحاط به اللبنانيون وغمره حزنهم. واجتاز الكثيرون السياج الأمني والحطام وأخذوا بالبكاء على كتفه فيما حاول البعض عناقه أو مصافحته في وقت اختبأ فيه ساسة بلادهم خوفا من الغضب العام. وزادت زيارته من الآمال بعودة فرنسا لمساعدتهم وحل مشاكلهم. وتعتبر الجميزة ومار ميخائيل من الأحياء المسيحية الراقية التي تنتشر فيها الحانات والمقاهي والمباني التراثية، ويعتبر الكثير من قاطنيها أنفسهم فرنسيون من الناحية الثقافية. ولكن خارج هذه الأحياء وفي المناطق الفقيرة تعاملوا مع ماكرون أنه استعماري جديد. فقد ظل لبنان حتى عام 1943 تحت الإنتداب الفرنسي ودعم الفرنسيون الموارنة وليس المسلمين. ولعبت فرنسا منذ نهاية الحرب الأهلية دور الوسيط بين لبنان والمجتمع الدولي لجمع الدعم والمساهمة في الإحياء الإقتصادي. لكن حركة الإحتجاج التي اندلعت في تشرين الأول 2019 حذرت المجتمع الدولي من تقديم الدعم للنخبة السياسية التي يطالبون بالتخلص منها. وطالب المحتجون بالإصلاحات السياسية والإقتصادية. وفي الرحلة الثانية لماكرون في أيلول 2020 دعا السياسيين ووضع أمامهم خطة الطريق للحصول على الدعم الدولي، لكنه جعلها مشروطة بالإصلاحات. وقال «لا صكوك مفتوحة». لكن الخطة الفرنسية دعت إلى إنشاء حكومة تكنوقراط بمدى أسبوعين وانتخابات مبكرة وإصلاحات في قطاع الكهرباء على الأقل والذي يستهلك ما بين 1.6- 2 ملياري دولار من المال العام سنويا ولكنه لا يقدم الطاقة الكهربائية الضرورية للسكان. وكره الساسة في لبنان فكرة تشكيل حكومة جديدة، علاوة على انتخابات مبكرة أو تقديم آلية محاسبة، وهي ضرورية من أجل التفاوض على حزمة إنقاذ مع صندوق النقد الدولي. وقضى الساسة الوقت وهم يتجادلون حول مناصب الحكومة التي يجب أن تذهب للجماعات الوكيلة، حتي يظلوا يصدرون القرارات وهم خارج الحكومة. واستقال حسان دياب بعد التفجير لكنه لايزال رئيس حكومة تصريف أعمال. وتم تكليف سعد الحريري في تشرين الأول بتشكيل الحكومة لكنه يجد معوقات دائمة، فهو يتنقل إلى قصر بعبدا، مقر الرئيس لكي يحصل على موافقته على التشكيلة الحكومية حسبما يقتضي الدستور. وخلف جهود عرقلة ميشيل عون هي الضغوط التي يمارسها صهره باسيل جبران، وزير الخارجية السابق والذي يطالب بحق الفيتو على الحكومة ويصر على تسليم المناصب المهمة للمقربين منه. وكان باسيل من أكثر الشخصيات المكروهة في لبنان أثناء فترة الاحتجاجات وعاقبته الولايات المتحدة بناء على قانون ماغنستكي بتهم الفساد. ويقول المحللون إن باسيل ليس لديه ما يخسره لو تجاهل فرنسا وهو يحاول بيأس العودة سياسيا وإعادة تأهيل صورته. وهو يطمح لأن يحل محل الرئيس عون المسن وما يهمه هي مصلحته السياسية وليس مصلحة البلد، كما قال عدد من المحللين والمواطنين اللبنانيين الغاضبين.

ولم تعد إلا قلة من اللبنانيين قادرة على قبول هذا التساهل. ويقول ياسين جابر، النائب في البرلمان إن حب الرئيس لخليفته المفضل يكلف البلاد الكثير «يصر الرئيس على لعب صهره دورا مهما في الحكومة» و «لن يقبل أي رئيس وزراء في كامل صحته العقلية أن يكون لحزب الفيتو، وهذا الموضوع يدور مرة بعد الأخرى وفشلت كل الوساطات». وقال نزار غانم، المؤسس المشارك ومدير البحث في مركز «تراينغل» أن من المفارقة قيام المجتمع الذي دعمته فرنسا وحمته هو من يقوم بعملية تخريب مبادراتها و«كان باستطاعة الفرنسيين استخدام روابطهم مع البطريرك الماروني وممارسة الضغط علة الماروني ميشيل عون، لكنهم لم يفعلوا» و«عوضا عن ذلك منح التدخل الفرنسي النخبة السياسية الوقت الزخم الذي حققته حركة الاحتجاج بعد التفجير. لايزال الناس في حالة معاناة، والفرنسيون يريدون المساعدة ولهذا سيحلون المشكلة بالمال ويرمونه على نفس الساسة، ونحن في دوامة». وتقول فوهرا إن ساسة لبنان يقومون بمعركة أعصاب مع الساسة الفرنسيين حتى تصبح الأمور في حالة سيئة ويشعر الفرنسيون انهم مجبرون أخلاقيا للتدخل والمساعدة. وقال ماكرون في بداية الشهر أنه سيقوم بمناشدة شركائه لتوفير الدعم للمواد الأساسية ودعم الجيش اللبناني. وقال مصدر دبلوماسي فرنسي «ماذا يجب علينا فعله؟ هل سننتظر حتى يموت الناس لأن ساستهم لا يهتمون؟» مضيفا «علينا ألا نسمح بتحمل الناس ثمن الأزمات ولا نستطيع عمل هذا». وقال إن ما ستطلبه فرنسا من المجتمع الدولي توفيره من الاحتياجات الأساسية لايزال في المرحلة الأولى. فقد وفرت فرنسا المساعدات للجيش اللبناني مثل حصص طعام وأدوية وأسلحة أساسية. وتراجعت مستويات الحياة لـ80000 جندي لبناني بالتوازي مع الأوضاع المعيشية للسكان، حيث أصبحت قيمة رواتبهم 100 دولار في الشهر من مستواها السابق وهي 800 دولار. واعترف الديبلوماسي الفرنسي بمحدودية ما يمكن لفرنسا عمله، فالدور الرئيسي يقع على كاهل اللبنانيين «يريد اللبنانيون منا حل مشاكلهم لكن عليهم الدفاع عن أنفسهم». واعترف غانم أنه لو جمعت قوى المجتمع المدني والساسة المستقلين قواهم فإنه سيكون لفرنسا حليف محلي، لكن الحركة لا قيادة لها ومنقسمة «لا حصان يمكن لفرنسا ركوبه وهذه مشكلة». ويقول مكرم رباح، أستاذ التاريخ بالجامعة الاميركية في بيروت إن حزب الله هو من يشجع باسيل ويطالبه بعدم التنازل. وأضاف أن لبنان أصبح ورقة مقايضة إيرانية في المحادثات النووية الجارية مع الولايات المتحدة، ولو أراد حزب الله تشكيل الحكومة فإن باسيل لن يحتج. ويتهم محللون فرنسا باللين مع حزب الله والسماح بالتوسع الإيراني من أجل حماية مصالحها التجارية. ويقولون إن خروج دونالد ترامب من الاتفاقية النووية كلف فرنسا مليارات الدولارات في عقود طائرات وسيارات وقعتها فرنسا مع إيران. ورغم سخرية الديبلوماسي الفرنسي من هذا الكلام إلا أنه اعترف بأن قرار أميركا اتباع طريق مواز أجهض الجهود الفرنسية. وقبل شهرين أعلنت فرنسا عن عقوبات على لبنانيين بتهم الفساد ومنع جهود تشكيل الحكومة، لكنها لم تكشف عن أسمائهم، لكن العقوبات مخففة وتشمل على منع السفر إلى فرنسا فقط. وتساءل المحلل السياسي اللبناني سامي نادر «لماذا لا تذكر العقوبات أسماء من صدرت ضدهم» و»هل تحاول فرنسا معاقبة النخبة السياسية أو التعامل معها؟ والإجراءات غير الكاملة لا تعد إجراءات».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.