فيلم أميركي – ايراني جديد

105

كتب عوني الكعكي:

يبدو ان تجارة الأفلام لاتزال رائجة هذه الأيام، وتعود على منتجها بالربح الوفير والخير العميم، فكيف إذا كانت هذه الأفلام أميركية – إيرانية تخضع لخبرة منتج واحد، ومخطط مشترك، لانتاج هذه الأفلام بصورة تنطلي على الكثيرين، فيتم تصديقها من قبل جمهور واسع، وهي أبعد ما تكون عن الحقيقة.

آخر فيلم أنتجته الادارة الأميركية الإيرانية – كان استهداف مطار اربيل بالصواريخ وتوقف الملاحة الجوية في المطار، وسقط صاروخ آخر في المطار القديم وأدى الى نشوب حرائق تمّت السيطرة عليها. أما القنصلية الأميركية، فقد أطلقت صفارات الإنذار بعد عملية الاستهداف هذه. من جهته، تحدّث التحالف الدولي في العراق، عن مقتل مقاول مدني وجرح 5 متعاقدين  وجندي أميركي.

يشار الى انه سبق لمطار اربيل في إقليم كردستان العراق، أن استهدف بـ6 صواريخ في شهر أيلول الفائت، من دون وقوع خسائر بشرية، ولم تتبنَّ أي جهة القصف، إلا أن سلطات إقليم كردستان اتهمت فصائل الحشد الشعبي العامل بالتوجيهات الإيرانية بالمسؤولية عن الهجوم، وإن كانت إيران كعادتها تتنصّل من ضلوعها في احداث من هذا النوع، توجيها او تدبيرا. وهذه المرّة جاء تعقيب إيران مليئاً بالشجب والاستنكار، نافيا أي صلة لها بالعملية او علم بهويّة منفّذيها.

وفي رسالة «واضحة» من إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، على الهجمات الصاروخية الأخيرة ضد قوّات التحالف في العراق، استهدفت القوات الأميركية مواقع لفصائل موالية لإيران في سوريا، قرب الحدود مع العراق، ما أسفر عن مقتل وجرح العشرات. وهذه هي أول عملية عسكرية لإدارة جو بايدن، ردا على هجمات اربيل. ووصف المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية جون كيربي في بيان عملية القصف بـ«الدفاعية»، موضحا ان الضربات دمّرت بنى  تحتيّة عديدة تقع في منطقة حدودية تستخدمها ميليشيات مدعومة من إيران خصوصاً كتائب حزب الله.

الردّ الأميركي، جاء بينما ينتظر الرئيس الأميركي جو بايدن ردّا من طهران، قبل إعادة العمل بالاتفاق الذي انسحبت منه واشنطن عام 2018، في عهد دونالد ترامب، نُسِبَت ثلاث هجمات الى مجموعات مسلحة موالية لإيران في الأيام الأخيرة. واعتقد أن واشنطن تبدو كمن يرسل إشارة أنها لن تتساهل مع أنشطة إيران الاقليمية لصالح المحادثات النووية، كما أعتقد ان الضربة الأميركية على الميليشيات المؤيدة لإيران، كانت محدودة النطاق ومعدّة بعناية شديدة، لإظهار ان ادارة الرئيس جو بايدن، ستتصرف بحزم، لكنها لا تريد الانزلاق الى تصعيد أكبر في المنطقة. باختصار انه سيناريو الفيلم الأميركي – الإيراني العدّ بدقّة واتقان.

هذا العمل العسكري الأميركي، المؤيّد من الدول الغربية وفي طليعتها بريطانيا، تُفصّل مراحل هذا الفيلم بين الدولتين. هجمة من هنا، وردّ من هناك… وإسرائيل ليست بعيدة عن تسلسل هذا الفيلم… فالغارات المتواصلة التي تشنّها الدولة العبرية على الميليشيات المؤيدة لإيران في سوريا، وعلى قوات الحرس الثوري الإيراني، والخبراء الإيرانيين، وفي ظل صَمْتٍ روسي لافت، وكأن هناك موافقة على شن مثل هذه الغارات، يدخل في عملية الانتاج والإخراج، لهذا السيناريو الذي حِيكَتْ خيوطه بدقة. كذلك نشير الى ما أعلنه وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، عن دعم بلاده للردّ الأميركي على الميليشيات، وهو إعلان ليس بعيدا عن مجريات الفيلم المذكور.

وفي مجريات الأمور أمس، حدث انفجار في سفينة بخليج عمان «إم في هيليوبوليس راي» كانت في طريقها الى سنغافورة.. وشركات الأمن تتهم إيران… وهذا يشير الى تبادل الأدوار… ضربة من إيران وأخرى من أميركا، وإسرائيل لاعب واضح المعالم بينهما والحديث يطول والفيلم يتابع عروضه المتقنة، لكنها بالنسبة لأهل هذه المنطقة ليست بالشيّقة ولن تكون.

وفي تحليل دقيق لما جرى، وما قد يجري بين إيران ومؤيديها، وبين الولايات المتحدة وتحالفها، فإننا نشدّد على بعض المواقف التي أعلنت بعد الهجوم على اربيل وبعد الرد الأميركي على الميليشيات الموالية لإيران.

أولاً: بعد الهجوم على اربيل، رأى رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، ان هذا الهجوم هو عمل إرهابي، وهو يتزامن مع الجهود المبذولة لإبعاد العراق عن الصراعات، ويهدف الى خلق الفوضى وخلط الأوراق.. مؤكدا مواصلة الجهود، لعدم تحويل العراق الى حديقة خلفيّة للصراعات.

ثانياً: تنديد الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس بالهجوم الصاروخي الذي تعرّض له مطار اربيل. ودعت الى ضرورة ضبط النفس والتعاون الوثيق بين بغداد واربيل لتقديم الجناة الى العدالة.

ثالثاً: ان ما قامت به الولايات المتحدة يعبّر عن موقف حاسم. فقد أكد قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيث ماكنزي، ان إيران «أكبر تهديد» في منطقة عمليات القيادة، فهي تصدّر بالإرهاب، وتصنع صواريخ باليستية، تهدّد بها دول المنطقة. مؤكدا أن ردع إيران يمثّل أولوية قصوى للولايات المتحدة.

رابعاً: ان ميليشيات إيران في سوريا وتحديدا في دير الزور استحوذت على كامل منطقة المزارع هناك، وأنشأت سورا ترابيا، على كامل محيط المنطقة، إضافة الى وضع غرف مسبقة الصنع وخزانات مياه ونشرها في المزارع.

خامساً: أقول: ليست أميركا فقط بارعة في توجيه الرسائل السياسية عبر «الأفلام السينمائية المفترضة».. لكن الإيرانيين، هم أيضا أكثر براعة في توجيه تلك الرسائل… وعلى المتابع من الجمهور، معرفة فروق التوقيتات الحربية السينمائية بين البلدين.

سادساً: لا شك في ان رسائل إيران استباقيّة… فبينما يضع العالم يده على قلبه، منتظرا ماذا ستقوم به ميليشياتها، وهي المنهكة بالعقوبات الأميركية… تحاول ومن خلال أذرعها في المنطقة اللعب على حِبَالٍ لإقلاق الولايات المتحدة، فيما هي ضمنيا تنسّق معها «تحت الطاولة» لوضع سيناريو مشترك، يخدع الآخرين، ويوهم الشعوب الأخرى، بأن الدولتين على حال من العداء الشديد، وهما في الحقيقة منتجان للفيلم المعروض، يتقاسمان الشراكة في كل احداث هذا الفيلم الذي نتمنى ألا يكون طويلاً.

كل هذا يذكّرني بفيلم «آرغو» الذي يروي قصة تهريب ديبلوماسيين أميركيين من طهران، خلال أزمة «الرهائن» بين عامي 1979 و1981، والذي فاز بجائزة اوسكار عام 2013، بعد عرضه في قاعات السينما العالمية.. يومذاك أعلنت طهران عن غضبها وأعربت عن عدم رضاها، ورفض قبولها بالنظرة المشوّهة للأحداث التي يرويها الفيلم.

لكنّ الفارق اليوم بين فيلم «آرغو» والفيلم الأميركي – الإيراني الجديد، ان المنتج واحد، هو شركة أميركية – إيرانية موحّدة، تعتمد مخرجا واحدا، تخرّج من واشنطن وطهران، وتعلّم فنون خداع الناس.

aounikaaki@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.