في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر

116

في 31 آب سنة 1978 قبل 42 عاماً، كنت وأصدقائي الناصريين نجلس في مطعم ابو خضر في منطقة كورنيش المزرعة مجتمعين، نتباحث بما يجري وما قد يجري ليلاً في كل يوم من احداث امنية تذكر ولا تعاد بإذن الله، وإذا بنا نفاجأ بخبر على إحدى الاذاعات العالمية عن طريق الراديو ان السيد موسى الصدر وأخويه الشيخ محمد يعقوب والصحافي السيد عباس بدر الدين قد انقطع الاتصال بهم (وكانوا في ذلك الوقت في ليبيا).

عندها إنتابني إحساس غريب، وأسرعت للاتصال بصديقتي من آل سليمان من منطقة بدنايل البقاعية المناضلة التي كانت قد عرّفتني على السيد موسى الصدر. فوجدت أنها لا تعلم شيئاً، فأخبرتها ما سمعت فقالت لي لعله خيرا، دعنا نتابع الاخبار سوياً. ساعات معدودة ونسمع خبر مدو أفجع الجمبع، وهو ان السيد الصدر قد اختطف. أيقنت حينها ان أمراً ما يُحاك ضد لبنان وقد يطيل الحرب اللبنانية، لأنني كنت على يقين ان اختطاف هذه الشخصية الفذّة التي تناضل من اجل إنهاء الحرب الاهلية بسرعة في لبنان له تداعياته. مثلما كنت أتوقع  وأجزم انه لو بقي جمال عبدالناصر على قيد الحياة لما وقعت الحرب الطويلة على لبنان، وكذلك لو بقي الامام موسى الصدر في لبنان لما استمرت الحرب طويلاً.

فالسيد موسى الصدر حالة فريدة  من نوعها وهو موجود في قلوب كل اللبنانيين، فكيف لا وهو الذي يدعو الى نبذ التعصب والانفتاح على الآخرين وترسيخ العيش الواحد والتأسيس لحياة وطنية سليمة قائمة على مبادئ الحق والعدالة والتسامح والعفو والمغفرة والصدق والامانة والاحسان.

الرجال الرجال وعلى رأسهم سماحة الامام لو غابت اجسادهم فأفكارهم وأعمالهم تبقى حية في القلوب والعقول لسنوات وأجيال وفكر سماحة الامام يعلّمنا التبصر في وطنية فلسطين التي شكّلت نبضة المقاوم ويحملنا ايضاً على التفكير في القدس والمقدسات اللتين شكلتا قضيته الخاصة والمقدسة واللتين استحضرهما بكافة عناوينهما وأعلن ان المقاومة واجب شرعي في سبيل تحريرهما حيث قال «ان السند الحقيقي للثورة الفلسطينية هو عمامتي ومحرابي ومنبري».

ومع تعاظم الاعتداءات الاسرائيلية على جنوب لبنان، اطلق الامام الصدر صرختة المدوية عام 1973 قائلاً «إن لم تدافعوا عن لبنان سندافع عنه، وإن لم تقاتلوا في سبيله سنقاتل ولا نريد ولا نقبل ان تحتل اسرائيل ارضنا وبعد ذلك نؤسس المقاومة ونمنع الاحتلال».

وهكذا بدأ الامام رحلته التحريرية بمبادرة فردية شخصية منه تحوّلت مع الوقت الى محور مقاوم له ابعاد إقليمية ودولية. ونستذكر كيف تمكّنت المقاومة اللبنانية حينها من دحر اسرائيل في 30 آذار 1977 بعد مواجهة باسلة معها في تلال شلعبون اسفرت عن تراجع اسرائيل خائبة الى الحدود الدولية ولاحقاً بعد ان تعاظمت المواجهة، حقّقت المقاومة الوطنية الشاملة الانتصار الكبير على اسرائيل عام 1985 من شمال صيدا الى جنوب صور ومع نهج الامام المقاوم كرّت سبحة الانتصارات حتى تمكّنت المقاومة الوطنية الشاملة من هزيمة اسرائيل عامي 2000 و2006.

ولكن ليته كان معنا،

ليته يرى الآن ما يحدث لنا،

ليته الآن يرى شعبه المغرّب المقهور والجائع والتائه والذي لا يعرف ماذا يعمل وماذا يفعل.

لو كان الامام الآن معنا لكانت الوحدة الوطنية اساساً للعيش المشترك ولكان لكل الطوائف والمذاهب، يقف الى جانب الفقير المحروم من الدواء والمسكن والمشرب.

ايها الامام المغيٌب اننا بحاجة لك كثيراً هذه الايام ووطنك لا يزال يتعذٌب يوماً بعد يوم بسبب غيابك.

ندعو للامام ورفيقيه في العودة السريعة قبل ان يفقد لبنان كل ما كان يحلم به وعمل له سماحته.

وأخيراً، من بيروت الوطنية نتوجه بالتحية والتقدير الى دولة الرئيس نبيه بري الامين على قضية الامام الصدر ووصيته بحفظ لبنان ورسالته وشعبه الطيب.

المحامي اسامة العرب

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.