في رحاب رمضان – إعلان بيروت للحريّات الدينية

26

الحمدلله رب العالمين، الذي أنزل الطمأنينة في النفوس، ويسّر للمؤمنين العاملين أن يجاهدوا في سبيل جمع المسلمين، والعالم كله، على الخير، والعدل. وهنا أريد أن أستذكر، وأنا في رحاب هذا الشهر المبارك مبادرة «إعلان بيروت للحريّات الدينية».

صدر «إعلان بيروت للحريّات الدينية» في رمضان، منذ خمس سنوات، أعلنته جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في بيروت، بعد أن قدّمت له في مؤتمرها، بأنّ البلاد العربية، والإسلامية، تمرّ في حالة من الغليان باسم الدين أو المذهب أو الطائفة، لتُنكر على الانسان كرامة إنسانيته، وأصول مواطنته، وعيشه في حرياته.

وما أشبه اليوم بالبارحة، فأين العقلاء، أين المؤمنون بالله وبالإنسانية، ليسعوا في بناء مجتمع سويّ، مؤمن، متصالح مع نفسه ومع العالم؟!.

وما تبنّي جمعية المقاصد لهذا الإعلان إلاّ لأنه هو نفسه من رسالتها وأهدافها في مجتمعها وفي الوطن، وقد أرادت منه التصدّي لظاهرة التطرّف والعنف، والتزاماً بكرامة المواطن في مواجهة الأخطار التي تهدّده من كل جانب.

أولاً: حرّية العقيدة والعبادة والتعليم، وقد قال تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبيّـن الرشد من الغيّ} [البقرة: 256] فحقوق الانسان هذه تكفلها النصوص القطعية الدلالة، وانتهاك حقوق أي إنسان هو انتهاك لحقوق المواطنة، ولتعاليم الإسلام، وثقافتنا الدينية الإيمانية تدعونا الى نبذ الإكراه، وإلى احترام الحريات، وتقبّل الاختلافات بين الناس.

ثانياً: الحق في الحرية والكرامة، وقد قال تعالى: {ولقد كرّمنا بني آدم} [الإسراء: 70] وكلنا أبناء آدم وآدم من تراب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم في خطبته في حجّة الوداع، فليس من حق أحد في نظر القرآن أن يشنّ حرباً على إنسان أو جماعة بسبب الدين، أو يُخرجهم من ديارهم.

ثالثاً: الحقّ في الاختلاف والحق في التعدّد، وقد قال تعالى: {يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجلعناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} [الحجرات: 13].

فالاختلاف والتعدّد طبيعة إنسانية واجتماعية من جهة، واختيارات فردية أو جماعية من جهة أخرى، والتعارف والإعتراف هو أمر من الله سبحانه وتعالى، واستجابة لإنسانية الإنسان، والمجتمعات الاسلامية ما كانت أبداً أوحدية في الرأي أو في طرائق العيش، كذلك لم تكن أوحدية في الدين.

رابعاً: الحق في المشاركة السياسية والمجتمعية، وهي مشاركة تقوم على أساس المساواة والحرية والأختيار الحرّ، والمسؤولية الفردية. والإسلام، كما أعلن الأزهر الشريف في وثيقة له، لا يفرض نظاماً معيّناً للحكم ولا يعرف الدولة الكهنوتية، فالنظام السياسي مدني يُنشئه المواطنون بأنفسهم مسلمين وغير مسلمين، استجابة لمصالحهم المشتركة.

خامساً: إلتزامنا بالمواثيق العربية والعالمية، فأمتنا أقامت حضارة زاهرة وتعدّدية منفتحة كانت في أساس تقدّم العالم، وشعوبنا شاركت في حضارة العصر، وأنشأت دولاً وطنية ومؤسّسات لم يحلْ دون إنشائها الدين أو الموروث. نعم نحن جزء من العالم نطمح أن نشارك فيه أكثر، لا نخافه ولا نريد أن نخيفه.

سادساً: إلتزامنا بلبنان الوطن والدولة، موحّداً وديموقراطياً، فعلى أساس هذه القِيَم كلها، طوّرت الصيغة اللبنانية الى نظام توافقي تتوافر فيه الحريّات الأساسية. ورغم أنّ هذه الصيغة تشوبها نواقص، فعلينا أن نتقبلها ونبقيها منفتحة الأفق على التحسين والتطوير، وهذا دأبنا منذ توافقنا جميعاً على «ميثاق وطني» وعلى «اتفاق الطائف» وعلى وثيقة دار الفتوى في العام 1983 التي تقدّم اعتباراً للمواطنة والحكْم المدني والعيش المشترك والإلتزام بالحريّات الأساسية، وباستقلال لبنان وسيادته وطناً نهائياً لجميع أبنائه.

سابعاً: إلتزام المقاصد بثوابتها وبدورها، فالجمعية منذ تأسيسها حافظت وتحافظ على تقاليدها المتمثلة بحريّة التعليم وتقدّمه، وفي الاستنارة من الدرس الديني، مستفيدة من التجارب الدينية والوطنية والمناهج الحديثة في التربية الوطنية والمدنية، ومستمرّة مدرسة للإسلام السمح وللوطنية الجامعة.

وهكذا هي بيروت «أم الشرائع» مسهمة في صنع الدولة الحديثة، حريصة أن تبقى بمسلميها ومسيحييها منارة من منارات الإشعاع الاسلامي والتقدّم العربي والسلام الانساني.

 

أ. د. أمين فرشوخ

عميد كلية الدراسات الاسلامية في جامعة المقاصد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.