قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – «أوباما الثالث» و«شرق أوسط جديد» ٢/ ٦

26

أشرت في قراءة السبت ٢٣-١-٢٠٢١ التي تضمنت «الحلقة الأولى«، إلى أن رسالة «أوباما الثالث» إلى الخارج : «عائدون إلى ريادة العالم لتبقى أميركا مشعل الديموقراطية في العالم»، سيواجه أو سيصطدم بـ«واقع عالمي جديد» متعدّد الأقطاب الدولية غير ما كان عليه ما بين (١٩٩٠ – ٢٠١٥) وهو الذي كان قد ودّعه «أوباما الثالث» في أواخر فترة حكمه الثانية (٢٠١٥ – ٢٠١٦).

كما ستواجه هذه «الرسالة» – «شرق أوسط جديد» – في نطاق العالم الجديد المتعدّد الأقطاب الدولية، والذي يلوح في أفق سياسته الخارجية أنه يريد التعامل معه من بوابة عما كان عليه في عام ٢٠١٥..!

وفي هذا السياق، يتحدث بعض الكتاب والمراقبين عن إعطائه أولوية معيّنة لمنطقة ما دون أخرى، والقول إن «منطقة الشرق الأوسط» ستكون في مرتبة متأخرة في سلم أولويات سياسته الخارجية.

ولكن الواقع العملي منذ سريان هذه المقولة في عهده الأول والثاني حتى الآن يبيّـن أن «الشرق الأوسط» سيبقى أحد مراكز الاهتمام الأميركي في إطار المصالح الإستراتيجية الأميركية بحكم الموقع الإستراتيجي والموارد المتنوعة والمنافسة على مناطق النفوذ مع كل من روسيا والصين، وأوروبا.

لأن «منطقة الشرق الأوسط« ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالدول الأوروبية من جميع النواحي الاقتصادية والتجارية والأمنية، ويتضح ذلك جليًّا في عدة أمور في مقدمتها الازمات المستمرة على مدى نحو ٩ سنوات في سوريا وليبيا واليمن، وما نشأ عنها من موجات هجرة إلى الدول الأوروبية ولاجئين، وإمتداد بعض الأعمال الإرهابية إلى عدة عواصم أوروبية.

ولكن لماذا كل هذا الصراع الدولي في الماضي والحاضر على «منطقة الشرق الأوسط»؟

في هذا السياق أشير الى أن الحديث عن مفهوم وخصوصية “الشرق الأوسط» حديث ذو تشعبات عديدة، فبعض الدارسين يرجع مصطلح “الشرق الأوسط» الجغرافي والسياسي الى أعماق التاريخ البعيد. والبعض الآخر يردّه إلى بداية الحرب العالمية الأولى ١٩١٤، وتوقيع اتفاقية «سايكس بيكو” في ٩ آيار – مايو عام ١٩١٦، ويشير هذا البعض إلى أنه أصبح حقيقة واقعة منذ عام ١٩٢٢، أو عام الوصايا والإنتداب «الأنكلو – فرنسي» على أرض هذا الإقليم.

وأكثر الغموض الذي يلف هذه الدراسات،  راجع إلى كثرة الأسماء والمصطلحات التي استخدمت في الماضي، وتستخدم في الحاضر إلى كل الإقليم أو إلى جزء منه.

وعليه، فإن تحديد هذا المفهوم وهذه الخصوصية لإقليم «الشرق الأوسط» يتسم بالتعقيد والصعوبة والحساسية، وذلك لأن الباحث او الدارس لمعالم هذا الإقليم «الجغرافية والسياسية»، عليه أن يتعامل مع العديد من القضايا والأمور المتحرّكة التي لم تستقر بعد، حيث هي في مرحلة التشكيل، في «الصورة العامة» للنسق الدولي العالمي الجديد الراهن المتصور، التي لم تتبلور بعد، وذلك نظرًا لأن المتغيرات الدافعة للتحول في هذا النسق، لاتزال تؤتي تأثيراتها وتفاعلاتها، ومن ثم فإن هذه الفترة الانتقالية قد تستغرق عدة شهور أو عدة سنوات.

لذلك رأيت أن أتحدث عن مفهوم وخصوصية إقليم «الشرق الأوسط»، وأهمية موقعه الجغرافي( لنفسّر لماذا هذا الصراع الدولي.عليه حاليًا كما كان في الماضي)..
لأنه يتحكّم في طريق المرور الدولية: مما جعله بسبب ذلك، وبسبب ثرواته الطبيعية – خصوصًا البترول – وبسبب ثروته السائلة «النقدية» – ملعبًا وهدفًا في آن، للصراع الدولي في النسق الدولي العالمي السابق الثنائي النزعة القطبية الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد السوفياتي ما بين «١٩٤٥ – ١٩٩٠». كما لايزال الآن بوضعيته وخصوصية موقعه الاستراتيجي، ملعبًا وهدفًا ل «صراع العولمة» الدائر حاليًا من حوله وفيه – على أرضه ومياهه وأجوائه..

و«الشرق الأوسط» مصطلح جغرافي وسياسي شاع استخدامه في أجزاء العالم المختلفة. إذ أن التسمية، ولو قُصد بها، وبغيرها، تقسيم الشرق إلى أقسام حسب البعد والقرب من أوروبا، إلاّ أن الإقليم في الواقع هو إقليم أوسط بالنسبة لخريطة العالم بصفة عامة، والعالم القديم بصفة خاصة.

هذا، ويمكن القول بصفة عامة ان «الشرق الأوسط« إقليم صعب التحديد، بصورة واضحة او قاطعة، ولا يرجع السبب في ذلك إلى أن الإقليم مجرد ابتكار لفظي في قاموس «السياسة العالمية» منذ أواخر القرن الماضي، ولكن السبب في صعوبة تحديد «الشرق الأوسط» راجع إلى أنه إقليم هولامي القوام، بمعنى أنه يمكن أن يتّسع أو يضيق على خريطة العالم حسب التصنيف أو الهدف الذي يسعى إليه باحث في مجال من مجالات العلوم الطبيعية أو الإنسانية، أو التصنيف الذي تتخذه هيئة خاصة أو دولية، أو وزارة من وزارات الخارجية في العالم.

وهذه الصعوبة – أو إن شئنا – المرونة في تحديد «الشرق الأوسط» نابعة من أن هذا الإقليم يتكون من عدة متداخلات طبيعية وبشرية، ذات طبيعة انسيابية، شأنها في ذلك شأن معظم الأقاليم. ويمتد عليها بعد زمني هو أطول بعد تاريخي نعرفه عن أي إقليم آخر في العالم. وبالإضافة إلى ذلك يرتبط الإقليم بعامل جغرافي واضح الأثر في كل أرجائه ذلك هو «عامل المكان» والعلاقات المكانية التي ميّزت وتميّز «الشرق الأوسط« كمنطقة مركزية منذ القدم في علاقات الشرق والغرب القديم، وحديثًا – الشرق بمضمونه الحضاري الاقتصادي – عامًة في آسيا وافريقيا الشمالية والشرقية. والغرب بالمضمون الحضاري الصناعي العام في أوروبا وأميركا.

وعلى الرغم مما تتعرض له «العلاقات المكانية» من تغيّرات، قد تكون جذرية، نتيجة المتغيّرات التكنولوجية في مجالات النقل والمواصلات والنشاط الاقتصادي، فإن غالبية هذه المتغيّرات قد دعمت اهمية “المكان الجغرافي” ل “الشرق الأوسط» وأعادت تأكيد هذه الأهمية مجددًا.

هذه «الأهمية المكانية» جعلت إقليم “الشرق الأوسط”، هدفًا للاستعمار الأوروبي وتحديدًا منذ الثمانينات من القرن التاسع عشر.

وتجمع الكتابات المختلفة في الوقت الراهن على أن «الشرق الأوسط” هو الإقليم الذي يشتمل على الدول الممتدة من «إيران إلى مصر” ومن «تركيا إلى اليمن». وقد يضيف كاتبًا أو هيئة «ليبيا والسودان» أو إحداهما، أو «برقة وشمال السودان فقط» إليه، وبذلك يقتصر «الشرق الأوسط» على مجموعة دول غرب آسيا بإضافة مصر (والسودان وليبيا في بعض الأحيان) وتخرج اليونان، على الرغم من أنها حضاريًا تشبه إقليم «الشرق الأوسط”٠

ويمكن القول إن «الوطن العربي” هو “قلب” منطقة «الشرق الأوسط»، إذ أنه يشتمل على الجزء الغربي من إقليم – أو منطقة «الشرق الأوسط»، ويمتد خارجه إلى الشمال من أفريقيا ونطاق السفانا من السنغال إلى السودان. أما «العالم الإسلامي» فيشمل كل “الشرق الأوسط» ويمتد فيما ورائه في شتى الإتجاهات الجرافية٠
لهذه الأسباب كلها سيبقى “الشرق الأوسط ملعبًا وهدفًا ل”الصراع الدولي” عليه الآن كما كان في الماضي.

وإن شاء الله تعالى لنا لقاء آخر مع “قراءة جديدة” في الموضوع ذاته.

يحيى أحمد الكعكي

yehia.elkaaki@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.