قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – «أوباما الثالث» و«واقع عالمي جديد»

26
سيواجه الرئيس الأميركي الـ٤٦ واقع عالمي جديد – وفيه «شرق أوسط جديد»، والذي لوّح في خطاب «اليمين الدستورية» أول من أمس الأربعاء، في «رسالته الأولى » إلى «الخارج» بأن «أميركا عائدة إلى ريادة العالم»، مضيفًا «أن أميركا ستبقى مشعل الديموقراطية في العالم»..!

هذه الرسالة من «اوباما الثالث» الى الخارج، ستصطدم بـ«واقع عالمي جديد متعدد الأقطاب» غير الذي تركه”أوباما الثاني” في سنة ٢٠١٥، فهذا الواقع لم يعد قاصرًا على الولايات المتحدة الأميركية كما كان في ١٩٩٠، وهي السنة التي تفجّر فيها «الاتحاد الفيدرالي السوڤياتي» إلى ١٥ دولة، وغابت فيه عن “الخريطة الأوروبية السياسية” ما كان يُسمى «أوروبا الشرقية» التي كانت تجمعها الديموقراطية الشرقية مع الاتحاد الفيدرالي السوڤياتي، في كيان سياسي واحد تترجم فيما بعد إلى «حلف وارسو» المبرم في ١٩٥٥/٥/١٤.

سيواجه «اوباما الثالث» واقعًا عالميًا جديدًا غير الذي كانت ريادته للولايات المتحدة الأميركية ما بين “١٩٩٠ و٢٠١٥” ، وهو الذي ودّعه «أوباما الثاني»، ويريد الآن بصفته الجديدة «أوباما الثالث» العودة به إلى الماضي ما قبل ٢٠١٥ ، إلى ١٩٩٠ حيث كانت الولايات المتحدة الأميركية هي القطب العالمي الوحيد الذي بيده «ميزان القوة» في ذلك «النسق الدولي».

إذن ما قاله «أوباما الثالث» أول من أمس الأربعاء «عائدون إلى ريادة العالم» ، هو في الحقيقة عودة إلى إحياء نظام «الكتلة Le bloc» في نظام «سياسة الأحلاف» التي ظهرت سنة ١٩٤٥ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، والمؤسّسة على «التحصين الذاتي» وكان يعني ذلك الإلتجاء إلى «سياسةالأحلاف الجديدة» التي جعلت من هذه الأحلاف تصبّ في ظاهرة «الكتلة bloc»، وهي كانت حلفًا من نوع جديد..

واستدعت في هذا الحلف «نوعية المنافسة الإيديولوجية» التي كانت ما بين القطبين «واشنطن وموسكو» في النسق الدولي الذي كان قائمًا ما بين ١٩٤٥ و١٩٩٠، أي بين «الرأسمالية» (الديموقراطية الغربية)، و«الشيوعية» (الديموقراطية الشرقية)، أي المنافسة بين «إيديولوجيتين»، وكانت دائمة بالضرورة وتقوم بخدمتها «الأحلاف الجديدة» ، وكانت عاملة على الدوام، فلا تعترف بالتمييز التقليدي بين أوقات السلم وأوقات الحرب، وفي هذا كانت تكمن عوامل ونوعية ظاهرة «الكتلة الجديدة bloc»..

وأضافت ثنائية القوى القطبية في النسق الدولي إنذاك ، أضافت إلى معالم نوعية هذه الظاهرة، و هذه الظاهرة هي أن هذه «الكتلة» كانت تعمل بزعامة “دولة قطبية” تواجه كتلة “الدولة القطبية الثانية” ، بينما لم تكن الدول أطراف الأحلاف ما قبل ١٩٤٥ تأتمر بدولة تتزعم الحلف.

وبهذه الخصائص اتجهت «الكتلة» ما بين “١٩٤٥- ١٩٩٠” إلى فكرة «التكامل الإيديولوجي الاقتصادي السياسي» تحت زعامة «الدولة القطبية»، وهو ما جعل من هذه «الكتلة» الدائرة الثابتة لدولتها الزعيمة.

وبهذه الصورة العامة لـ«الكتلة» ظهرت كتلة «حلف “شمالي الأطلسي» في ١٩٤٩/٤/٤ ، ثم ظهرت كتلة «حلف وارسو» في ١٩٥٥/٥/١٤ -نسبة إلى «وارسو» العاصمة البولندية-.

إذن إن ما أشار إليه «أوباما الثالث» أول من أمس الأربعاء بأنّ «اميركا عائدة لريادة العالم» و«العودة إلى حلفائنا» ويقصد بهم دول «حلف شمالي الأطلسي » -أو الناتو- ومقره الرئيسي «بروكسل» وهي عاصمة «الإتحاد الأوروبي » – ، والذي أصبح يتكوّن الآن من ٣٠ دولة أوروبية غربية وشرقية، وتغيّرت نوعيته الإيديولوجية الأولى ، و«أوباما الثالث» كان يقصد بحلفائنا «الإتحاد الأوروبي » وتحديدًا «فرنسا وألمانيا»، ومن خارج الإتحاد الأوروبي «بريطانيا»..

ويمكن القول انه من الصعب إحياء «ظاهرة الكتلة» كما كانت ما بين “١٩٤٥- ١٩٩٠” ، أي في عصر ما كان يُسمّى «الحرب الباردة» !! ، إلاّ إذا أراد العودة إلى هذه «الحرب الباردة» مرة ثانية ليصطدم بهذه العودة بالثنائية الدولية «روسيا الاتحادية والصين» وقد تنضم إليهما «الهند»..

لذلك، فإنّ شعار «أوباما الثالث»: «عائدون إلى ريادة العالم لتبقى أميركا مشعل الديموقراطية في العالم» ، سيواجه أو سيصطدم بـ«واقع عالمي جديد» متعدّد الأقطاب الدولية غير ما كان عليه ما بين “١٩٩٠- ٢٠١٥” وهو الذي كان قد ودّعه في أواخر فترة حكمه الثانية “٢٠١٥- ٢٠١٦”..

وهكذا يمكن القول إنّ هذا الشعار كان إرضاءً لـ«الداخل الأميركي» ، أو ” الرأي العام الأميركي ” ، خصوصًا أنصار «الحزب الديموقراطي»، وليدغدغ به مشاعر أعضاء «الحزب الجمهوري» الرافضين له خصوصًا بعد أن هاجمهم ووصفهم بـ«العنصريين» لأنه إتهمهم من دون أن يسميهم بـ«المتعصبين للعرق الأبيض » اي بـ«العنصريين» الذين يمشون غيرهم من المواطنين الأميركيين وهم ذوي الأصول اللاتينية والأفريقية والآسيوية..!!

مهما يكن من أمر هذا كله ، فإنه يمكن القول كما تشير كل الأنباء الواردة من “الداخل الامريكي” ، عليه أولًا ان يعيد «اللحمة الأميركية الداخلية» التي أفرزتها الإنتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة التي فاز فيها، وهي مهمة شاقة في ظل هذا الاستقطاب الحاد والإنقسام الشعبي الذي لم تعرفه الولايات المتحدة الأميركية منذ سنوات «الحرب الاهلية الأولى» ما بين (١٨٦١/٤/١٢ و ١٨٦٥/٥/٩) ، وكذلك التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لجائحة كورونا ، والانهيار الأخلاقي والثقة ما بين المواطنين الأميركيين، وكذلك حيال قادة ومؤسسات الدولة الأمريكية ، و هي التي تمثل تهديدات حقيقية للولايات المتحدة الأميركية، أي التهديدات الأخطر للولايات المتحدة الأميركية تأتي من الداخل وليس من الخارج.
وحينما يصل إلى حلول إلى المصالح الضيقة للحزب الديموقراطي وهي الانتقام من ” ترامب” زألغاء كل ما فعله داخليًا ، وحلول لحالة الاستقطاب وحالة الانقسام الحاد بين المواطنين الأمريكيين، ويعيد “اللحمة” ل “الداخل الأمريكي”..
بعد هذا كله عليه أن يُفكر كيف يتعامل مع «الواقع العالمي الجديد المتعدّد الأقطاب» لتكون الولايات المتحدة الاميركية أحد هذه الأقطاب فيه، وليس «القطب الوحيد» فيه كما كانت ما بين”١٩٩٠- ٢٠١٥” ، وليس كما قال :” عائدون إلى ريادة العالم”، وهو قول يتسم بـ “عنصرية أميريكية” يرفضها هو في الداخل ويريد أن يفرضها على الخارج.. بهدف أن يكسب الداخل…!

وغداً لقاء آخر بعنوان «اوباما الثالث وشرق أوسط جديد».
يحيى أحمد الكعكي
yehia.elkaaki@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.