قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – الحكايتان الثانية والثالثة ل ” مدفع الإفطار اضرب”

43

أشرت في قراءة أمس إلى الحكاية الأولى في التأريخ لمدفع الإفطار ‘ أو “الحاجة فاطمة” المملوكي ، والذي أسماه ” أهالي القاهرة” بهذا الإسم، تكريمًا منهم ل ” الحاجة فاطمة” زوجة السلطان المملوكي البرجي “خشقدم” ، لأنها أقنعت رواجها السلطان بإطلاق “مدفع الإفطار” يوميًا ، بعد أن دوّى صوت قذيفته “ساعة الإفطار” بالصدفة في ١ رمضان ٨٦٥هـ الموافق ١٤٦١م، حينما طلب من بعض جنوده أن يجرّبوا مدفعًا.كان قد تلقاه هدية من مصنع إلماني،فظن “أهالي القاهرة”، أنّ “دويّّ المدفع” ساعة الإفطار هو تقليد جديد لتنبيههم بحلول موعد رفع آذان المغرب ، وموعد.الإفطار، ومع الأيام أصبح أسمه”الحاجة فاطمة” فقط .

وفي قراءة اليوم سأشير إلى الحكايتين الثانية والثالثة، وكيفية انتقال العادة الرمضانية الجديدة إلى الأقطار العربية بدءًا من بيروت، ومن ثم إلى الدول الإسلامية المختلفة .

تحكي لنا الحكاية الثانية أن هذا المدفع كان إنطلاقه في زمن “محمد علي باشا” مؤسس عهد العائلة العلوية في مصر ١٨٠٥- ١٩٥٢، وحكم ما بين ١٨٠٥- ١٨٤٨، وفي يوم من أيام شهر رمضان ١٨١١، انطلق المدفع في تجربة وقت الإفطار، فاستحسن أهالي “القاهرة” ذلك، وطالبوا أن يكون هذا التقليد وقت الإفطار والسحور فوافق “محمد علي باشا” على ذلك..

و في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وتحديدًا في عهد الوالي “عباس حلمي باشا الأول” (حكم ما بين ١٨٤٨- ١٨٥٤) وتحديدًا في ١٨٥٣ كان يُطلق مدفعان للافطار في القاهرة، الأول من القلعة- قلعة صلاح الدين -، والثاني من سراي “عباس حلمي باشا الأول” بالعباسية -أحد أحياء القاهرة الآن-.

وتحكي لنا الحكاية الثالثة أن “مدفع الإفطار” يرجع انطلاقه لأول مرة في عهد “الخديوي اسماعيل” (حكم ما بين ١٨٦٣- ١٨٧٩)، وذلك حينما كان بعض جنوده ينظفون مدفع إنكليزي الصنع ماركة “كروب” إنتاج ١٨٧١ وهو عبارة عن ماسورة من الحديد ويزن ما يقرب من نصف طن، ويُجر على عجلتين كبيرتين غليظتين من الخشب ، فخرجت منه طلقة من دون قصد وقت أذان المغرب.

وظن “أهالي القاهرة”، إن الخديوي استنسب أسلوبًا مبتكرًا للإعلان عن اللحظة التي يجب أن يفطروا فيها بجانب الأذان، لأنه صوته أعلى من صوت المؤذنين، خصوصًا أنه انطلق من “جبل المقطم” أعلى مكان في القاهرة، فسبّب البهجة والسرور لأهالي القاهرة، فأعجبهم التقليد الجديد( أو ما ظنوا أنه تقليد جديد للإفطار في شهر رمضان المبارك) .

وعلمت “الحاجة فاطمة” بنت “الخديوي اسماعيل” بالواقعة، التي أدخلت البهجة والسرور إلى قلوب “أهالي القاهرة”، فقرّرت تحويلها من “اللامقصود” الى “المقصود” أي إلى “عادة رمضانية دائمةحدث ، فطلبت من الخديوى إصدار فرمان بأن يجعل من إطلاق المدفع عادة رمضانية جديدة وهكذا كان، وفيما بعد اضيف إطلاقه فى السحور والأعياد الرسمية، فارتبط المدفع باسمها منذ ذلك.الحين ، حينما أطلق عليه “أهالي القاهرة” بعد هذه الحادثة اسم “مدفع الحاجة فاطمة”، ثم مع الأيام أصبح اسمه “الحاجة فاطمة” فقط.

ويُعتقد أن المدفع تم تغييره أكثر من مرة وانتقل إلى أكثر من مكان، وكان يُعرض في “ساحة متحف الشرطة” ب”قلعة صلاح الدين الأيوبي” بالقاهرة، ومواصفاته هى أنه مدفع ماركة كروب إنتاج عام ١٨٧١م عبارة عن ماسورة من الحديد ترتكز على قاعدة حديدية بعجلتين كبيرتين من الخشب بإطارات من الحديد، وكان يقوم بتشغيله اثنين من الجنود أحدهم لوضع البارود فى الفوهة والأخر لاطلاق القذيفة .

وبقي في “ساحة متحف الشرطة” قبل عودته إلى الانطلاق ثانية في ١ رمضان هذا العام بعد أن كان قد توقف تمامًا عام ١٩٩٢

الَّا أنه طيلة هذه الأعوام ال ٢٩ بقي نداء مشغًل المدفع :”مدفع الإفطار اضرب” ، مُحرّكًا للنفوس ، والذي يرفقه بشد حبل المدفع لتنطلق القذيفة ، ويعقبها صوت المذيع من الاذاعة أو التلفزيون المصري – القناة الأولى – حان الآن موعد الإفطار بحسب التوقيت الرسمي لمدينة القاهرة .

وهكذا بقي نداء مُشغّل المدفع وسيبقى جزءًا هامًا من عادات وتقاليد وتراث هذا “الشهر الفضيل” ، لأن نداء ” مدفع الإفطار إضراب ” يُدخل البهجة والسرور إلى قلوب الصائمين . في شهر البهجة والسرور والفرح .

هذه هي الحكايات الثلاث، وأرجح الأولى، التي ترجع إلى ١٤٦١م (أي منذ ٦٦٠ عامًا) والتي أشرت إليها في مقدمة القراءة، وهي التي انتشرت من القاهرة إلى “بلاد الشام” ، مع”ابراهيم باشا” بن “محمد علي باشا”، وكانت “بيروت” أول من طبقت عادة “مدفع إفطار رمضان” عام ١٢٥٥ هجرية، (١٨٤٧- ١٨٤٨م)، -أي قبل عهد الخديوي اسماعيل- .

ثم انتقلت عادة ” مدفع الانفطار أضرب ” إلى “حلب” ١٢٥٨ هجرية (١٨٦٨م)، ثم إلى “دمشق”، ثم إلى “القدس”، ثم انتقلت عادة “.إلى “الأردن” و منها إلى ”العراق”، ثم إلى “الكويت عام ١٩٠٧ ، ومن الكويت انتقلت إلى كل دول الخليج العربي” .

ثم توالى انتشار “العادة الرمضانية الجديدة”، إلى السودان، واليمن، ودول جنوب الصحراء مثل “تشاد والنيجر ومالي”، ثم وصل إلى شرق آسيا حيث أُستخدم لأول مرة في أندونيسيافي عام عام ١٩٤٤ .

وإن شاء الله تعالى سيكون موضوع قراءة الاثنين عن “زفة مدفع الإفطار” في القاهرة”حاضرة الكون الرمضاني”.

yehia.elkaaki@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.