قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – العصا والجزرة الأوروبية ..والعقوبات على لبنان

38

أقر الاتحاد الأوروبي، وفقًا لبيان أصدره الجمعةالماضي، إطارًا قانونيًا لنظام عقوبات يستهدف أفرادًا وكيانات لبنانية ، بعد الانتهاء من دراسة هذا الموضوع المطروخ على المفاوضات الأولية في الإتحاد الأوروبي منذ شهر أبريل/نيسان الماضي من قبل فرنسا ، والاتفاق على هذه الأطر القانونية ستعبّد الطرق لاحتمال فرض عقوبات على السياسيين اللبنانيين المسؤولين عن تقويض الديمقراطية وحكم القانون في لبنان .

إلى ذلك، أعربت باريس عن استعدادها لزيادة “الضغط” على المسؤولين اللبنانيين من أجل تشكيل حكومة جديدة بكامل الصلاحيات ، وقالت المتحدّثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية “أنياس فون در مول” :” إن بلادها “مستعدة لزيادة الضغط مع شركائها الأوروبيين والدوليين على المسؤولين السياسيين اللبنانيين لتحقيق ذلك” .

وأشارت المتحدثة إلى أن “تشكيل حكومة بكامل الصلاحيات على وجه السرعة تعمل بأقصى طاقتها وقادرة على إطلاق الإصلاحات التي يتطلبها الوضع وتشكل شرطا لأي مساعدة بنيوية تبقىَ الأولوية” .

وهذا يعني أنه يقع على عاتق الحكومة المقبلة التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي كخطوة أولى لإخراج لبنان من الأزمة الاقتصادية التي صنّفها البنك الدولي بين الأسوأ في العالم منذ منتصف القرن الماضي .

وأشير في هذا السياق إلى أنه وحتى الأن لم تنجح الضغوطات الدولية على المسؤولين السياسيين اللبنانيين – خصوصًا على حاكم قصر بعبدا – التي مارستها فرنسا خصوصًا، منذ زيارة الرئيس الفرنسي “ماكرون” بعد “التفجير الجهنمي” لمرفأ بيروت التاريخي في ٤ أغسطس/آب ٢٠٢٠ ، والذي أطاح بثلث العاصمة بيروت ، مخلفًا وراءه ٢٠٦ من الضحايا الأبرياء ، ومئات الجرحى ، وحوالي ٣٠٠ ألف مشرّد ، ودمار قُدّر قيمة إعادة ترميمه بحوالي ١٢ مليار دولار .

وبدلًا من تفقّد حاكم قصر بعبدا موقع الجريمة الجهنمية – والذي لم يتفقدها حتى اليوم – ، تفقدها الرئيس الفرنسي “ماكرون” وسط هتافات المرحبة به ، والمندّدة بحاكم قصر بعبدا!! هذا ، وفي ١ سبتمبر/ أيلول جمع “الرئيس ماكرون” كل الأطراف السياسية اللبنانية في “قصر الصنوبر” ببيروت ، حيث أعلن أول مندوب سامي فرنسي على سوريا ولبنان ، ولادة دولة “لبنان الكبير” بحدوده المعترف به دوليًا حتى الآن .

ولم يُسارع المسؤولون السياسيون حتى بعد عام الى تخقيق ما وعدوا فرنسا به ، أي تنفيذ خريطة الإنقاذ الفرنسية للبنان، وكذلك لم تنجح الضغوطات الفرنسية في تسريع ولادة حكومة يشترط المجتمع الدولي أن تضم اختصاصيين ، وتُنفذّ إصلاحات جذرية مقابل تقديم الدعم المالي .

هذا ، وقد فرضت فرنسا في نيسان/أبريل قيودًا على دخول شخصيات لبنانية ، تعتبرها مسؤولة عن المراوحة السياسية والفساد ، إلى اراضيها ، من دون أن تُفصح عن هوياتهم أو ماهية القيود ، متّبعة في ذلك سياسة “العصا والجزرة” ، ومصرّة على أنها تستطيع منفردة على “تسوية” الوضع في لبنان ، مع أنها كانت خاطبت مُعاتبة الرئيس الأمريكي السابق ” دونالد ترامب” بأنه خربط خريطتها السياسية في التسوية اللبنانية بسبب العقوبات التي فرضها على بعض السياسيين اللبنانية كدفعة أولى لهذه العقوبات التي توقفت بعد فوز “بايدن” بالرئاسة الأمريكية ، ثم عادت هي إليها ولكن بشكل فرنسي يُحافظ على مصالحها في المنطقة.

ومع هذا التسويف من المسؤولين السياسيين اللبنانيين ، لجأت فرنسا بعد تبيان أن قدراتها الذاتية غير كافية لمعالجة الوضع الداخلي اللبناني ، إلى الاتحاد الاوروبي منذ أبريل/ نيسان الماضي ليؤازرها ، وبالشراكة مع واشنطن ( لم تتخذ موقفًا بعد) في فرض عقوبات على المسؤؤلين السياسيين اللبنانيين بما فيهم كما أكّدت على ذلك ما أسمته “الرئيس” .

وقد سبقت خطوة الدول ال ٢٧ المكوّنة للإتحاد الأوروبي في الالتقاء على الأطر القانونية للعقوبات على لبنان ، المؤتمر الدولي الذي سيعقد بباريس الأربعاء المقبل ٤ الجاري بمناسبة السنوية الأولى “للتفجير الجهنمي” لمرفأ بيروت التاريخي ، والذي يهدف إلى “تلبية احتياجات اللبنانيين الذين يتدهور وضعهم كل يوم”، في إطار مساعدات إنسانية تُقدّم مباشرة إلى اللبنانيين منذ انفجار المرفأ، من دون المرور بالمؤسسات الرسمية. وكان الاتفاق على هذه الأطر داعمًا لهذا المؤتمر.

ولكن ومع هذا كله ، فإن هذه العقوبات لن تُبصر النور الّا بعد اجتماع مجلس وزراء خارجية دول الإتحاد الأوروبي في ٢١ سبتمبر/أيلول المقبل، فإن وافقوا على هذه الأطر القانونية لهذه العقوبات ، تتحوّل العقوبات إلى واقع منظور ، لتدمع الآن بسياسة “العصا والجزرة” ، الإنذار الفرنسي للسياسيين اللبنانيين بضرورة تشكيل الحكومة المنتظرة من ٢٠٢٠/٨/١٠ ، قبل مساء غد الثلاثاء ، وإلا فإن العقوبات ستأخذ طريقها السريع إلى التطبيق..!!

وهذا يعني أن فرنسا ومعها الإتحاد الأوروبي ستُمارس سياسة “العصا والجزرة” مع السياسيين اللبنانيين بما فيهم حاكم قصر بعبدا الذي لايزال يُراهن على “لعبة الزمن” والشعب يموت ، (ولا هو هنا) ، وكذلك ستُمارس فرنسا ومعها الاتحاد الاوروبي فقط دون واشنطن ، ضغوطات على أطراف إقليمية تتشابك مصالحها على الأرض اللبنانية ، والتي لن تفرّط بهذه المصالح بسهولة ، الّا بعد حصولها على المقابل الذي تطلبه ..!!

لذلك فإن العقوبات الأوروبية هي في واقعها الآن لعبة ” العصا والجزرة” ،بينها وبين السياسيين اللبنانيين ، دون دعم من موسكو أو واشنطن ، فالاولى والتي وصفت هذه العقوبات قبل صدورها منذ حوالي ١٥ يومًا بأنها ” تدخّل غير مقبول في الشؤون الداخلية اللبنانية” ، أما واشنطن فقد أكّدت على أن المسألة اللبنانية ليست في سجل أولوياتها ، بل أن أولوياتها الآن تنصب على “مؤتمر فيينا” .

لذلك حتى مابعد ٢١ سبتمبر/ أيلول سنرى تطورات دراماتيكية عديدة سياسية واقتصادية – مالية ، وقد تكون أمنية أخطر من التي شهدتها “خلدة” أمس ؛ التي تكون بروفة أولية؛ ، أو كالتي حذّر منها أول من أمس رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي “وليد جنبلاط” في تغريدته باللغة الفرنسية على حسابه على تويتر .

وإن بعد غدٍ الأربعاء ٤ أغسطس/ آب لناظره قريب .

يحيى أحمد الكعكي

yehia.elkaaki@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.