قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – “النشيد الرسمي” في وداع “الشهر الفضيل” :”والله لسه بدري والله يا شهر الصيام”.

20

نفحات إيمانية روحانية، وعادات وتقاليد مميزة طبعت ولا تزال “شهر رمضان المبارك”في «مصر الخير» عمومًا ، وفي “القاهرة” العاصمة المصرية خصوصًا ، عاصمة “الضياء الرمضاني” إن في التهيّؤ لهذا “الضيف السنوي الكريم” ، أو في استقباله بزينة البهجة والفرح والتي درتها “فانوس رمضان” و “الأناشيد والابتهالات الدينية” ، وتلاوة آيات من الذكر الحكيم ، وسماع هذه التلاوات من العشرة العباقرة في “دولة التلاوة” التي أسهها الشيخ “أحمد ندا”(١٩٣٢/١٨٩٢) .

وكذلك الترحيب بالضيف الكريم بالاغاني الرمضانية التي هي جزء من هذا التراث المصري والعربي عمومًا نتوارثه جيلًا بعد جيل، لأنها تترجم مشاعرنا ووجداننا وأحاسيسنا بفئاتنا العمرية كافة، إن في ترحيبنا بالشهر الفضيل وفي القلب فرحة وبهجة ، أو في وداعنا له وفي القلب غصة وحرقة .

وإذا كنا قد استقبلنا “الضيف الكريم” -شهر رمضان المبارك- ليلة الاثنين ٢٠١٢١/٤/١٢ بأغنية “رمضان جانا” لشيخ المطربين الشعبيين “محمد عبدالمطلب”(١٩١٠- ١٩٨٠) ، وهي النشيد الرسمي» الذي نستقبل به ضيفنا الكريم كل عام منذ رمضان ١٣٦٢ هجرية/ سبتمبر – أيلول- ١٩٤٣ .

وسبب استمرارها “النشيد الرسمي” من حوالى ٧٨ عامًا ، (وهو النشيد الذي كتبه الشاعر المصري الكبير “حسين طنطاوي١٩١٤- ١٩٨٦ ، ولحنه الموسيقار المصري الكبير “محمود الشريف ١٩١٢- ١٩٩٠) ، سبب استمرار هذا النشيد الرسمي فارضًا ذاته وبقوة شعبية بعد كل هذه الأعوام هي “الحالة الشعبية” التي نسج بها الموسيقار العبقري “محمود الشريف” اللحن، ومن خلاله يتوهج صوت “عبدالمطلب” الذي حين تسمعه تشعر بحالة فرح وبهجة وسرور، وأيضًا بقشعريرة وبدموع الفرح تسيل على وجهك من دون أن تدري .

إذا كنا قد استقبلنا “الضيف السنوي الكريم” -الذي نُكرّم به ولأجله- بالنشيد الرسمي “رمضان جانا” ، فإننا نودّعه بالابتهالات والتواشيح الدينية وفي مقدمها “ودعوه يا شهر الصيام ” ، والتي كنا نردّدها كمجموعة في أواخر رمضان ونحن في المرحلة الابتدائية في كلية المقاصد الحرج ، والتي يعتبر أستاذها الصديق الراحل كروان الشام “توفيق المنجد” ( وأن شاء الله تعالى لنا قراءة عنه) .

كما نودع “الضيف السنوي الكريم” بـ”نشيد الوداع الرسمي” «تم البدري بدري» للفنانة المصرية الكبيرة “شريفة فاضل” (١٩٣٨/٩/٢٧ عمرها الآن ٨٣ عامًا) وتلقب ب “أم البطل” لأنها قدمت وليديها فداء لوطنهما ، ولأمتهما في حرب اكتوبر/ تشرين ١٩٧٣” (وإن شآء آلله تعالى لنا لقاء مع اغنية “أم البطل” والتي قدمتها، “شريفة فاضل” للإذاعة دون مقابل) .

ونشيد “تم.البدري بدري” سجلته “أم البطل” للإذاعة المصرية من دون أي مقابل ، ولحنه الموسيقار المصري العبقري “عبدالعظيم محمد ٢٠٠٨/١٩٢٣”، وكتب كلماته الشاعر المصري المبدع في كتابة الأغاني الرمضانية”عبدالفتاح مصطفى ١٩٢٤ / ١٩٨٤” ، ونال أجرًا من الإذاعة المصرية عليه ١٥ جنيهًا مصريًا تنازل عنها للإذاعة، ولم يكن مخططًا أن تغنيها “أم البطل” ، الاّ أن الصدفة ساقتها إليه ، كما ساقت الصدفة “محمد عبد المطلب” لينشد “رمضان جانا” .

تقول “أم البطل” عن سبب انشادها هذا النشيد الرسمي :” كانت الإذاعة توزّع الأغانى على المطربين، وأنا كنت مطربة جديدة، وجاءت الأغنية من نصيبى بالصدفة ، فربنا عزّ وجلّ يوزّع ويُعطى الرزق لمن يشاء ، والأغانى الدينية لم يكن ينفق عليها أحد من حسابه ، ولذلك كانت الإذاعة تقوم بإنتاجها وتحدّد الموسيقيين ، ونذهب نحن لتسجيلها وتدفع لنا حق الإلقاء، ولكني قدمتها للإذاعة دون مقابل، والحمد لله حتى الآن لا يوجد هناك ما ينافسها فى وداع شهر رمضان الفضيل” .

وفي هذا السياق أشير إلى أن ” أم البطل” جدها لأبيها هو “الشيخ أحمد ندا” مؤسس “دولة التلاوة” بمصر الذي تحدثت عنه وهنها في قراءات سابقة ، وتؤكّد “أم البطل” على هذا بقولها :” الشيخ أحمد ندا هو جدى لأبى، فأنا اسمى فوقية محمود أحمد ندا ، وقد مات جدى بعد ولادتى ، وأذكر حين التقيت الإمام على جمعة أنه قال لى – معقولة جدك الشيخ أحمد ندا – ، وقد ورثت صوتى من جدى وأنا الوحيدة فى العائلة التى توجهت للغناء ، باستثناء أختى ثناء التى قامت بأداء عدد قليل من الأغانى” .

هذا ، وقد استطاع الموسيقار العبقري “محمد عيد العظيم محمد ” أن ينسُج “حالة شعبية” ومن خلال اللحن يتوهّج صوت “أم البطل” وهي تنشد : «تم البدر بدري والأيام بتجري، والله لسه بدري والله يا شهر الصيام، حيّانا هلالك، ردينا التحية، زهانا جمالك بالطلعة البهية، دي فرحة سلامك، وإلا وداع صيامك، والله لسه بدري والله، يا شهر الصيام ،يا ضيف وقته غالي، وخطوة عزيزة، حُبك حب عالي، في الروح والغريزة، أيامك قليلة، والشوق مش قليل، والغيبة طويلة، ع الصبر الجميل، لسه بدري حبة، يتملى الأحبة، والله لسه بدري والله، يا شهر الصيام، بتحلّف يتيمك، ما تلمح دموعه، وتسرّه بقدومك، وتنور شموعه، وتسيب يوم وداعك، فوق الأرض عيد، يا هالل بفرحة، ومفارق بفرحة» .

كلمات «تم البدر بدري» لم تتعمّق في وصف عادات وتقاليد رمضان ومظاهره ، من فوانيس ، والقطايف و الكنافة ، وفرحة الأطفال ، مثلما حدث في أغلبية الاغنيات الرمضانية ، قدر توصيفها ل”الحالة الصوفية” و”الروحانية”، وما يمثله “الشهر الكريم” للصائمين وتشبيهه ل “الضيف الكريم ” بضيف ليس لديه من الوقت الكثير للبقاء فترة طويلة في المكوث بيننا لأن وقته غالٍ .

وهكذا يُفارقنا “الشهر الكريم” الذي تمضي أيامه المعدودات المباركة بشكل يفوق الوصف ، يُغادرنا على أمل اللقاء ، ولا تنتهي دعواتنا “اللهم بلّغنا رمضان” ، نودّعه وكلمات الشاعر “عبدالفتاح مصطفى” ترن في القلوب وتدمع لها الأعين “يا هالّل بفرحة ومفارق بفرحة ، والله لسة بدري والله يا شهر الصيام” .

وهنا أشير إلى أن الملحن العبقري وبجملته الموسيقية الشهيرة التى أبدعها فى مطلع الأغنية “والله لسة بدرى يا شهر الصيام” والتى لازالت – رغم مرور كل هذه الأعوام – تعيش فى وجداننا حتى الآن ، وكذلك في جملته الموسيقية الشهيرة في آخر النشيد.الرسمي التي ينقل فيها حزننا لفراق “الضيف المكرّم” إلى فرحة العيد” :” وتسيب يوم وداعك عيد ، يا هالّل بفرحة ومفارق بفرحة” .

إنهما «النشيدين الرسميين» نستقبل بالأول “الضيف الكريم” ، ونودّع بالثاني هذا “الضيف” ونحن نشعر عند سماع النشيد الأول ب”حالة فرح وبهجة وسرور”، وبدموع قشعريرة الفرح تسيل على وجوهنا من دون أن ندري،.. وعند سماع الثاني نشعر ب”حالة الحزن” لفراق هذا «الضيف الكريم» و”بقشعريرة، ودموع الحزن تسيل على وجوهنا من دون أن ندري”، ونحن قول “والله لسه بدري والله يا شهر الصيام ” .

وهكذا يحق القول بأنّ للحالتين خصوصية معبّرة عن الاحتفال بالحياة بقدر ما نُؤمن بحتمية الرحيل عن الحياة الدنيا ، والبعث يوم الحساب .

yehia.elkaaki@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.