قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – “زينة رمضان” في “حاضرة الكون الرمضاني”

26

 

عادات وتقاليد من صميم “الضياء الرمضاني” ميّزت ولا تزال العاصمة المصرية “القاهرة” -أو عاصمة “الكون الرمضاني”-، إن في استقبال هذا “الضيف الكريم” الذي يزورنا في السنة مرة واحدة ، أو في أيامه المباركة المعدودات ، أو في وداعه.

ومن هذه العادات والتقاليد التي تورّث جيلًا بعد جيل في “القاهرة”- حاضرة الكون الرمضاني- ، “زينة رمضان” ويزينها “فانوس رمضان” (وله إن شاء الله تعالى حلقة خاصة) ، التي تغمر النفس البشرية بالبهجة والسرور، طوال مدة إقامة هذا “الزائر الكريم” في أيامه المعدودات في “القاهرة ، والتي يحلو “الشهر الكريم” بها فوق “حلاوته الروحية” للنفس البشرية.. والتي هي أيضًا حالة اجتماعية تجمع ولا تُفرّق ، و تؤكد على أن الوحدة والاندماج والتكاتف بين أبناء كل شارع ، أو حي ، هي الثابت بينهم لأن الجميع يتعاونون على “تعليق” هذه”الزينة ، لا فرق بين مسلم أو مسيحي ،.فالكل واحد في استقبال هذا “الضيف الكريم والمُكرّم”..

ولا يكاد شارع أو منزل في “القاهرة” يخلو من هذه الزينة ، وفيها الزينة الكهربائية ، ومن أقمشة مفارش الموائد ذات رسومات متعددة ، وفيها نماذج مصغّرة لمدفع الإفطار ، وقدرة الفول ، وهلال رمضان ، و قمر رمضان ، غيرها من الأشكال الهندسية المبتكرة كل عام.

ومنها ما يُصنع من أغلفة الحلوى الملوّنة ، وهي الأكثر إنتشارًا في شوارع “القاهرة” بأشكالها المتنوعة ، ومنها مايصنع بمادة البلاستيك المقوى ، وهذا العام دخل “الكروشة” على خط “زينة رمضان” ، إضافة إلى ثابت التراث التاريخ، وهو اللمض- اللمبات – الملونة ، الكبير منها والصغير ، إلى جانب الفوانيس الورقية الملونة ، أو العادية من الصفيح .

وقد دخل على “زينة رمضان” في البيوت العام الماضي ، الشراء “أون لاين” بسبب جائحة كورونا ، و تلاشى الى حد كبير هذا العام ، لأن الجائحة خفّت ، ولأن التنوّع ليس موجودًا على ال” أونلاين” كما هو على الطبيعة في أماكن بيع هذه الزينة.

و يمكنني التأكيد على أن “الزينة الرمضانية” بمفهومها العام هذا ، هي “صناعة مصرية” أي من “التراث الثقافي المصري” ، والتي تعود إلى عهد “الدولة الطولونية” (٨٦٨- ٩٠٥م) ، وهي أول دولة من “دول الأطراف” التي انفصلت عن “الدولة العباسية” في بغداد ، وترجع بتسميتها هذه إلى “أحمد بن طولون” (حكم ما بين ٨٦٨- ٨٨٤م) وهو كان قبلًا واليًا على مصر من قِبَل “الدولة العباسية”.

وحينما انفصل بدولته هذه عن “الخلافة العباسية” كان أول ما قام به عمرانيًا إختطاطه عاصمة جديدة لدولته أسماها “القطائع”.،.(نسبة الى “القطيعة” – أو “الطائفة العسكرية” -التي قطنتها) ، وبُنيت على مرتفع من الأرض لتبرز على المجموع العمراني من حولها.

وكان أول بناء بناه فيها هو مسجده الذي أشاده في نقطة ارتكاز العاصمة الجديدة لمصر.. والذي بدأ البناء فيه عام ٨٧٧م ، وانتهى مهندسه ” سعد بن كاتب الفرغاني” – وهو قبطي – من بنائه في آذار ٨٧٩م ، وكان يقع على صخرة ضخمة بين “جبل يُشكر” و”جبل المقطم”(بالقاهرة الأن) ، ثم بنى قصره إلى جانبه وأطلق عليه اسم «الميدان».، وحينما إنتهى من بناء مسجده علّق فيه القناديل لتضيئه بأنوار خلاّّبة، وحمل إليه صناديق المصاحف ، ونقل إليه القرّاء ..

وهو.الذي لايزال أحد أهم الآثار العمرانية”الاسلامية’العربية” ويقع خاليًا في وسط الحي التراثي الشعبي “السيدة زينب” في “القاهرة التاريخية” ، ورُمّم بعد زلزال ١٩٩٢ الذي ضرب القاهرة ، وافتتح عام ٢٠٠٥ بحلته التاريخية التي حافظت على طابعه التراثي التاريخي…

وفي شهر “رمضان المبارك” كانت تُضاء الساحات الموصلة إلى أبواب القصر ، وتُزيّن الحارات بـ”زينة رمضان” التي تطورت حتى وصلت الى ما وصلت إليه الآن.، حيث تبدو معها “القاهرة” بكل شوارعها ، بأبهى حُلة تليق باستقبال “الضيف السنوي الكريم والمُكرّم” ، وطوال أيام إقامته المعدودات.

هذه هي ” الخلفية التاريخية ” لـ” زينة رمضان” في حاضرة “الكون.الرمضاني” ، بكل أشكالها المتنوعة ، في الشوارع والمنازل ، والتي لاتقتصر فقط على “إنارة المساجد” ، وهذا خطأ شائع عند البعض من خارج “مصر التاريخ” .، بل هي في كل مكان من ميادين وشوارع وحارات وأزقّة “القاهرة” ومنازلها، وفي كل ميادين وشوارع حارات المدن والقرى والنواجع المصرية.

و يُرجع بعض المؤرخين “إنارة المساجد” في “شهر رمضان المبارك” إلى “تميم بن أوس الداري اللخمي” الذي يُُكنّى بـ”أبي رقية” المتوفى عام ٦٦٠م، وهو أحد صحابة رسول الله “محمد” صلّ الله عليه وسلم ، والذي كان أول من “أسرج” -أضاء- المساجد بالسراج ، التي كان كان يضع فيها الزيت كل يوم جمعة .

وآخرون و منهم “ابن حجر العسقلاني المصري.الشافعي” عاش.مابين (١٣٧٢- ١٤٤٩م الولادة والوفاة بالقاهرة)، في مؤلفه الضخم الذي أنجزه في ٤٠ عامًا وهو “الإصابة في تمييز الصحابة” – أي صحابة رسول اله صل الله عليه وسلم ، يُرجعون “إنارة المساجد” في “شهر رمضان المبارك” إلى الخليفة الراشدي الثاني “الفاروق عمر بن الخطاب” (٥٨٤- ٦٤٤م) رضي الله عنه ، حيث كان يحرص عل إنارة المساجد في أول يوم من أيام «الشهر الفضيل».

ومع اقتراب وصول “الضيف الكريم والمُكّرم” ، وفي خِضَمَّ الاحتفالات بقدومه، خرج البعض من أصحاب الأمية الفكرية والجهل والغلو ، ليُحرّموا هذه الاحتفالات ، وزينة رمضان ، وشراء الفوانيس ، معلّلين ذلك بأنه “بدعة” . يجب اجتنابها..!! مستشهدين بالحديث النبوي الشريف :” (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه)
” ..
وتَناسى هؤلاء عن سابق تصوّر وتصميم أن تحريم الأشياء يأتي من خلال الاعتماد على دليل من القرآن والسنة ، لأن الأصل في الأشياء الإِباحة ، ومن يدَّعي أن شيئًا حرامٌ فعليه أن يأتي بالدليل.

وأؤكّد في هذا السياق على أن الإسلام دين فرح وبهجة ، وإدخال الفرحة على الأطفال من الأمورِ المشروعة في الإسلام ، وشهر “رمضان المبارك” له دلالةٌ واحترامٌ في صفوف المسلمين عمومًا ، واستقبال هذا “الضيف الكريم” ب”الزينة والفوانيس” ، وهي من الأشياء المشروعة لإدخال الفرحة على الأطفال ، وإشعارهم ببهجة “رمضان المبارك”.

وأوضح هنا ” أن الله تعالى” قال في كتابه الكريم ” قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ” / يونس – ٥٨/، وما رواه “عبدالله بن عمر” عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: “أحب الأعمال إلى الله سرور تُدخله على مسلم” ، وهذا تأكيد على إدخال السرور والفرحة على المسلمين ، والتي منها تعليق “زينة رمضان” ، وشراء الفوانيس ..

يحيى أحمد الكعكي

yehia.elkaaki@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.