قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – صَمَمٌ سياسي

37

ومر من الزمن أكثر من ١٠٠ يوم منذ ١٧-١٠-٢٠١٩ حتى الآن ليؤكد على أن حياة «لبنان الدولة الوطنية» تعتمد على جزء من الماضي، وجزء من الحاضر، وأن التنظيم الجيد لـ«المستقبل» في هذه المعادلة الحياتية لا يمكن أن ينفصل عما سبقه، كما هي المنظومة الحياتية في أي أمة من الأمم..

إلاَّ أن أهل «الحل والربط» في «الداخل اللبناني» لم يولوا حتى الآن وفي هذه «اللحظات الاستثنائية» من تاريخ لبنان، التي تقرع فيها طبول الحرب – التي لاتزال حتى الآن باردة -، من حول «لبنان» في إقليمه «الشرق الأوسط»، لم يولوا حتى الآن أي اهتمام بـها او بـ «رياح التغيير» التي تهب على لبنان منذ مئة يوم، ولا بفلسفة «الميثاقية الوطنية» التي انتصرت مرتان في ١٩٤٣، وفي ١٩٨٩ مع «اتفاق الطائف» الموثّق في «الاعلان الدستوري» الصادر في ٢١-٩-١٩٩٠.

لذا فإن الواجب الوطني يحتم عليهم، وهم يتخذون قراراتهم، ألاَّ يقتصر تفكيرهم فقط على استراتيجية «اليوم»، وعلى اهتماماتهم الخاصة للبقاء في الصورة السياسية عند طوائفهم ومذاهبهم، بل عليهم في المقام الأول أن يفكروا بـ «استراتيجية» صناعة المستقبل، الذي تحدده قراراتهم اليومية، لأن المستقبل لا يبدأ في الزمن البعيد، بل يبدأ غداً، وإذا أردنا الدقة يبدأ حتى في كل لحظة».

وبناء على ذلك يتضح أيضاً لماذا يتمثل التحدي الأكبر الآن بالنسبة لمستقبل لبنان، في «أن يُعرَّف «أهل الحل والربط» ذاتهم، ويُفسرونها على ضوء «فقه الواقع»، لأن تعريف الذات هو أمر هام ومهم في الحياة السياسية، من حيث «ثقافة العيش»  التي بها ومعها تتحقق أولاً «القيم الوطنية» في سلوكها، ومن حيث هي ثانياً «ثقافة الحوار» بين «الثقافات المتنوعة» في «التعددية السياسية».

لذلك فإنه من الأهمية بمكان لاجراء أي حوار ناجح بين «الأفكار المتنوعة» في «لبنان الواحد» – حتى الآن – هو إعادة «بناء الثقة» التي تخلخلت في اطار «الخلاف الذي لا يُفسد للود قضية»، على أن يكون البديل في النهاية لهذا التباعد الخلافي بين الأفكار المتصارعة هو «الفهم والتفاهم» والتعاون المتبادل على نقاط مصيرية جامعة، لبناء الحاضر على أسس «التوافق» لا «الخلاف»، والرجوع الى «الماضي البغيض» عبر ايقاظ «بعض» أهل الحل والربط لما كان يُسمى «الخوف».

فـ«الخوف» لا يصنع وطناً، كما لا يصنعه «توازن الرعب الطائفي» ولا تصنعه «إيديولوجية الالغاء» بشقيها السياسي والعسكري. لأن «العنف لا يولّد إلا العنف» بحسب «صائب سلام» أحد الاباء المؤسسين لـ«الميثاقية الوطنية» ١٩٤٣.

وهنا يحضرني قول لـ«هنري كيسينغر» عرّاب السياسة الخارجية الأميركية في سبعينات القرن الماضي – واستطراداً حتى الأمس القريب – وهو يتحدث عن التطورات في الشرق الأوسط، في مقابلة كانت أجرتها معه «ديلي سكيب» البريطانية في ٢٧-١١-٢٠١١، ولم يكشف عن تفاصيلها إلا من خلال ما نشره موقع «جينيوس كورنر» الأميركي في ١٥-٩-٢٠١٥، حيث قال: «إذا لم تكن قادراً على الاستماع الى طبول الحرب، فهذا يعني أنك أصم»  – والأصم في «المعاجم العربية» هو فقدان حاسة السمع، او الذي يسمع ولا يهتدي بما يسمع-!

ولا زيادة على هذا القول الذي يختصر «المشهد السياسي» في لبنان منذ أكثر من «مئة يوم»..

يحيى أحمد الكعكي

yehia.elkaaki@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.