قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – في رمزية حريق الأقصى (٢)

26

لم تكن محاولة حريق «المسجد الأقصى» في ٢١-٨-١٩٦٩، التي كانت أمس ذكراها الـ«٥٠»، هي البداية في دفع «الأصولية الصهيونية» الى توجيه مَنْ هم منها بعواطفهم الدينية التلمودية نحو «المكان المقدس» في نظر زعماء هذه «الأصولية».

فمنذ مؤتمر «بال» – بازل – في «سويسرا» ١٨٩٧، وهذه «الأصولية» تركّز في دعايتها «الايديولوجية الدينية» على دفع «يهود» الأعراق المختلفة» بـ شعارها العنصري «السنة المقبلة» نلتقي في «أورشليم» – أي «القدس»، بهدف توجيه عواطفهم «الدينية التلمودية» العنصرية، نحو «المكان المقدّس» – او «قدس الأقداس» – بنظرها وهو «الهيكل المزعوم»، ولقد تطورت هذه الدعاية منذ أن حصلت هذه «الأصولية» على وعد «بلفور» ٢-١١-١٩١٧ الذي أعطى من لا يملك الى من لا يستحق!! حيث انتقلت حملتها، الى التركيز على ضرورة تغيير «الوضع القانوني للأماكن المقدسة»، خصوصاً «المسجد الأقصى».

ففي عام ١٩٢٠ طالب الحاخام الأكبر «ابراهام اسحق لوك» ومجلس الربانيين اليهود في فلسطين والحاخام الأكبر في رومانيا «ابراهيم روز بناخ» بتسليم المسجد الأقصى لليهود.

وفي عام ١٩٢٩ أعلن ما يسمى بـ«الزعيم» الصهيوني «كلوزنر»، الذي كان يطلق على ذاته لقب: رئيس «جمعية الدفاع عن حائط المبكى» أعلن في تصريح نشرته جريدة «بالستاين ويكلي» اليهودية (أسبوعية فلسطين اليهودية) «أن المسجد الأقصى القائم على قدس الأقداس في الهيكل هو لليهود».

وفي ٢٠-٨-١٩٢٩ حاول اليهود تغيير الأوضاع الراهنة عند حائط البراق والاعتداء على المسجد واحتلال جزء منه مما ولد الغضب الشعبي العربي الفلسطيني فانطلقت في اليوم التالي، تظاهرة كبرى ضد المعتدين.

وما لبثت الاضطرابات أن عمت مدن فلسطين والتهبت أحداث او «انتفاضة المسجد الأقصى الأولى» التي عمّت الخليل وصفد ويافا والقسم العربي من مدينة حيفا.

وقد سميت هذه الإنتفاضة «بثورة البراق» نسبة الى اسم الحائط الغربي للمسجد الأقصى  (الذي يطلق عليه اليهود اسم حائط المبكى» وإنتهت بإرسال بريطانيا الدولة المنتدبة على فلسطين لجنة دولية وضعت ما يسمى بنظام «الوضع القائم» الذي انتصر لـ»الحق العربي في كل المسجد الأقصى».

واستمر نظام «الوضع القائم» سارياً حتى وقوع «الحرب الإستيطانية الثانية» ١٩٦٧ والاستيلاء على القدس، حيث راحت جماعات أصولية صهيونية تعمل على انتهاك «المقدسات الدينية الاسلامية والمسيحية»، وتسعى بحجة التنقيب عن الآثار، الى هدم «المسجد الأقصى» تمهيداً لإعادة بناء هيكل سليمان الثالث المزعوم مكانه..!

ثم حدثت محاولة حرق «المسجد الأقصى» في ٢١-٨-١٩٦٩؛ التي أشرت اليها في قراءة أمس «بالتفصيل الموجز جداً».

على أن ما يدعو للسخرية أن قوات الاحتلال الاسرائيلي ادعت أن هذا الحريق لم يتم بفعل فاعل، بل كان نتيجة خلل كهربائي، فيما كانت كل الدلائل تشير الى أن الحريق كان مخططاً له وجاء بالتنسيق بين جماعات صهيونية متطرفة وحكومة تل أبيب.

حيث قامت قوات الاحتلال قبل ساعات من اندلاع الحريق بفرض حصار على «منطقة المسجد» منع بموجبه جميع الفلسطينيين من دخول المسجد او الاقتراب منه، كما عمدت الى قطع المياه والكهرباء عن منطقة الحرم بأكملها.

1 Banner El Shark 728×90

ولم تتدخل إلا بعدما أتت النيران على الكثير من التراث العمراني في المسجد، وهذا ما يؤكد على أن الحريق لم يكن عفوياً بل مخططاً له وبشكل مدروس، بهدف تدمير «المسجد الأقصى» بعد اتيان الحريق عليه وإقامة «هيكل سليمان الثالث» المزعوم مكانه.!!

واستمرت بعد هذه «الحادثة الجلل» التي كانت نهاية المرحلة الثانية من التصدي لمحاولات تغيير «الوضع القانوني» للقدس، التي بدأت مع نهاية «ثورة البراق» ١٩٢٩، والأولى كانت من ١٨٩٧ (تحديداً من ١٩٢٠ الى «ثورة البراق»، أما المرحلة فبدأت مع كسر المقدسيين محاولة حرق «المسجد الأقصى» في ٢١-٨-١٩٦٩، واستمرت الى ٢٨-٩-٢٠٠٠.

لتبدأ مع هذا التاريخ المشؤوم المرحلة الرابعة بمحاولة «اريل شارون» وكان خارج الحكم بصفته رئيساً لتجمع «الليكود» بتدنيس «المسجد الأقصى» مع أصوليين صهيونيين، بحماية سلطة الاحتلال (حزب العمال) انذاك وكان رئيسه، ورئيس حكومة تل أبيب «ايهودا باراك»، لكن المقدسيين تصدوا لشارون وجماعته، فهرب وجماعته محتمياً بقوات الاحتلال.

وفي اليوم التالي، وكان يوم جمعة، وقبل أن تنتهي صلاة الجمعة في «المسجد الأقصى» قامت قوات الاحتلال باطلاق النار على «الركّع السجود»، فانفجرت في اليوم ذاته «ينابيع انتفاضة الأقصى الرابعة»، التي ردّدت صدى انفجارها كل الأراضي العربية الفلسطينية..

واستمرت هذه المرحلة الرابعة من محاولات تدمير «المسجد الأقصى» الى ٢٠٠٨ لتبدأ بعدها المرحلة الخامسة حتى ديسمبر / كانون الثاني ٢٠١٧، ولتبدأ بعدها المرحلة السادسة التي لاتزال مستمرة.

وفي هذه المرحلة الأخطر، ما كان غير ممكن ان تقوم به سلطة الاحتلال الاسرائيلي قبل هذا التاريخ، في تدنيس «المسجد الأقصى»، وحماية الأصوليين الصهيونيين في تدنيس «الأقصى»، بل ومحاولة تقسيمه.

أصبح بعد هذا التاريخ يكتسح المعقول، واللائق، ليخنق ويغتال كل قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، بدءاً من قرار التقسيم ١٨١ في ٢٩-١١-١٩٤٧، حتى ٢٠١٩..

هذا «بعضاً» من «رمزية حريق الأقصى» ٢١-٨-١٩٦٩.

وإن شاء الله تعالى غداً لنا لقاء جديد مع «بعض» انعكاسات هذا «الحدث الجلل» في المجال العربي، والاسلامي..

يحيى أحمد الكعكي

yehia.elkaaki@gmail.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.