قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – “لبنان الكبير” و”اللحظة الفارقة”

34

ومرّ من الزمن أكثر من ٦٠٠ ساعة منذ ٢٠٢٠/٨/٣١ حتى الآن ليؤكد على ان حياة “لبنان الدولة الوطنية” تعتمد على جزء من الماضي، وجزء من الحاضر، وأنّ التنظيم الجيّد لـ”المستقبل” في هذه المعادلة الحياتية لا يمكن أن ينفصل عما سبقه، كما هي المنظومة الحياتية في أي أمة من الأمم..

إلاّ أنّ ما يُطلق عليهم “أهل الحل والربط” في الداخل اللبناني لم يولوا حتى الآن وفي هذه اللحظات الفارقة من تاريخ لبنان، التي تقرع فيها طبول الحرب -التي لا تزال حتى الان باردة-، من حول “لبنان” في إقليمه الشرق الأوسط، وفي “لبنان الذي لا يزال كبيراً” حتى الآن، لم يولوا حتى الآن أي اهتمام باللحظات الفارقة هذه التي تهب على لبنان منذ ٦٠٠ ساعة، ولا بفلسفة “الميثاقية الوطنية” التي انتصرت مرتين في ١٩٤٣، وفي ١٩٨٩ مع “اتفاق الطائف” الموثّق في “الإعلان الدستوري” الصادر في ١٩٩٠/٩/٢١.

لذا، فإنّ الواجب الوطني يحتّم عليهم، وهم يتخذون قراراتهم، ألاّ يقتصر تفكيرهم فقط على استراتيجية “اليوم”، وعلى اهتماماتهم الخاصة للبقاء في الصورة السياسية عند طوائفهم ومذاهبهم، بل عليهم في المقام الأول أن يفكروا بصناعة المستقبل، الذي تحدده قراراتهم اليومية، لأنّ المستقبل لا يبدأ في الزمن البعيد، بل يبدأ غداً، وإذا أردنا الدقة يبدأ حتى في كل لحظة.

وبناء على ذلك، يتضح أيضاً لماذا يتمثل التحدّي الأكبر الآن بالنسبة لمستقبل “لبنان الذي لا يزال كبيراً حتى الآن”، في “أن يُعرّف ما يُطلق عليهم أهل الحل والربط” ذاتهم، ويفسرونها على ضوء “فقه الواقع”، لأنّ تعريف الذات هو أمر هام ومهم في الحياة السياسية، من حيث “ثقافة العيش” التي بها ومعها تتحقق أولاً “القيَم الوطنية” في سلوكها، ومن حيث هي ثانياً “ثقافة الحوار” بين الثقافات المتنوعة في التعددية السياسية.

لذلك، فإنه من الأهمية بمكان لإجراء أي حوار ناجح بين الأفكار المتنوعة في “لبنان الواحد” -حتى الآن- هو إعادة “بناء الثقة” التي تخلخلت في إطار “الخلاف الذي لا يُفسد للود قضية”، على أن يكون البديل في النهاية لهذا التباعد الخلافي بين الافكار المتصارعة هو “الفهم والتفاهم” والتعاون المتبادل على نقاط مصيرية جامعة، لبناء “الحاضر” على أسس “التوافق لا الخلاف”، ولا الرجوع الى الماضي البغيض عبر إيقاظ بعض أهل الحل والربط لما كان يُسمّى “الخوف”.

فـ”الخوف” لا يصنع وطناً، كما لا يصنعه “توازن الرعب الطائفي”، ولا تصنعه “إيديولوجية الإلغاء” بشقيها السياسي والعسكري، لأنّ “العنف لا يولّد إلاّ العنف” بحسب “صائب سلام” أحد الآباء المؤسسين لـ”الميثاقية الطائفية” ١٩٤٣، والتي عرّفها بعد أحداث ١٩٥٨ المؤسفة بـ”لا غالب ولا مغلوب”.

وفي هذه “اللحظات الفارقة” -أو “اللحظة الفارقة” في تاريخ “لبنان الكبير”-، يحضرني قول “كاترين الثانية” الامبراطورة الروسية، وكان يُطلق عليها “كاترين العظيمة” (١٧٢٩- ١٧٩٦): “في السياسة يجب أن يسترشد الحاكم القدير بـ- الظروف، والتخمينات (أي أن يسبق الأحداث)، والإنصرافات (أي البحث عن البدائل لمصلحة وطنه)-“..!

ولا زيادة على هذا القول الذي يختصر “المشهد السياسي” في “لبنان الذي لا يزال كبيراً” حتى هذه “اللحظة الفارقة” -وتفسّر بالحاجز الذي يفصل بين الموت والحياة-..!
يحيى أحمد الكعكي

yehia.elkaaki@gmail.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.