قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – مات مفتي الكلمة الطيبة “خليل الميس”

66

..وبعد حياةٍ حافلةٍ بالعلم والعطاء، انتقل سماحة العالم الجليل “خليل الميس” مفتي “الكلمة الطيبة” ، وعالم الوسطية والاعتدال في صحيح الدين الإسلامي السمح (٢٠٢١/١٩٤١) ، إلى رحمة ربِّه صباح أمس الخميس ٢٠٢١/٧/٢٩ .

نال الثانوية الشرعية من كلية الشريعة في بيروت عام ١٩٦٣ ، وإجازة في الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر في القاهرة عام ١٩٦٧ ، ودرجة الماجستير في الفقه المقارن بجامعة الأزهر في القاهرة عام ١٩٦٩ ، عاد الشاب العلامة من مصر إلى لبنان حاملًا العلوم الشرعية ومتخصصًا بالفقه والمذاهب حيث لمع نجمه منذ عودته ، وعُيّن عضوًا في المجلس الشرعي الإسلامي الاعلى في العام ١٩٧٥ .

ولقدْ كانَ لسماحتِهِ الأيادي البيضاءُ التي لا تُنسى، والفضائلُ الجَمَّةُ، والمناقبُ العظيمةُ، التي يذكرُها لهُ كلُّ منْ ائتَمَّ بهِ في صلاةٍ، أو استمعَ إليهِ في خُطبةٍ، أو جلسَ إليهِ في درسٍ من دروسِهِ في الأزهر الشريف في بيروت أو في البقاع ، أو في مناقشاته لرسائل الماجستير و الدكتوراة في الشريعة والفقه الإسلامي، في العديد من المعاهد والكليات والجامعات في لبنان ، جاوَزَت الأربعين عامًا من عُمُر الزمَنِ .

كانَ فيها – رحمه اللهُ تعالى وأسكنه فسيح جناته – الإمامَ القُدْوَةَ، والخطيبَ الـمُؤَثِّـرَ، والدَّاعيةَ الصادقَ، والعالمَ المتمكنَ، والناصحَ الـمُخلصَ، والإداريَّ الناجحَ.، والأب العطوف لكل من حوله ، وكانَ – رحمَهُ اللهُ تعالى – مُتَّصِفًا بأحسنِ الصِّفاتِ وأجملِها: مِنْ سلامةِ الصدر، ومكائن الاخلاق، ولينِ الجانب، وحُبِّ الإحسانِ إلى عِبادِ اللهِ: ببذلِ المَعروفِ، والسعي إلى الإصلاحِ، والإكرامِ لهم، وكثرةِ التودُّدِ إليهِمْ

وكان – رحمه الله تعالى – حينما تُقبلُ عليه، يلقاكَ هاشًّا باشًّا بأحسنِ لقاءٍ، وأجملِ عِبارةٍ، وتُصغي إليهِ، فتجدُ في كلامِهِ نُصحًا رفيقًا، وإرشادًا وتوجيهًا حكيمًا مسدَّدًا مُستلهمًا منْ هديِ خيرِ الورى.الرسول العربي محمد صل الله عليه وسلم-، القائلِ: «عَلَيكُمْ بِالرِّفْقِ في الأمْرِ كُلِّهِ؛ فَإِنَّ الرِّفْقَ مَا كانَ في أَمْرٍ إلا زَانَهُ، ولا نُزِعَ منْ شيءٍ إلا شَانَهُ». ومِثلُ هذا النُّصحِ الـمُسدَّدِ الكريمِ، لا ريبَ في طيبِ وحُسنِ موقعِهِ من النَّفسِ، ولا ريبَ – أيضًا – في دوامِ وبقاءِ أثرِهِ كذلكَ.

وأحسَبُ أنَّ سماحتَهُ – رحمَهُ اللهُ تعالى – ممَّنْ جَمَعَ اللهُ تعالى لهُ الخِصالَ الواردةَ في الحديثِ: «إذا مَاتَ ابْنُ آدَمَ، انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» .

وكنت قد تعرفت عليه منذ أكثر من أربعين عامًا في صحبة مفتينا الأكبر سماحة الشيخ “حسن خالد” – مفتي الوطن والأمة، ومفتي الوسطية والاعتدال في صحيح الدين الإسلامي ، ومفتي العيش المشترك في لبنان ، ومفتي كلمة الحق ، التي استشهد في سبيلها – . وكان شيخنا الجليل الرفيق الصادق الصدوق الأمين لسماحة المفتي الشهيد ، وإلى جانبه في كل مواقفه الوطنية والعربية والإسلامية .

كان – رحمه الله تعالى – الشيخ الواعي المتفتح المجدّد ، المتواضع الحنون ونشأت بيني وبينه صداقة واخوة ومحبة لا لمنطقة ولا لمدينة ، ولا جيل ولا عصبية ولا لمصلحة انما لله وحده.. لقد كان فريدًا من نوعه متميزًا في قول كلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم متميزًاً في علمه وفتاويه ، جمع بين الأصالة والمعاصرة ، وتميّز باهتمامه بالشباب ورحابة صدره لأسئلتهم ومناقشاتهم ، وهو متفرد على كثير من العلماء بأخوته للجميع ومحبته للصغير والكبير وتواضعه الجم الذي ساعده على أن يسكن القلوب ويتربع عليها .

لقد كانت خطبه – أسكنه الله فسيح جناته – قد لا تشتمل على الكثير من الفلسفات أو الإطالة والمماحكة وربما لو قرأتها قد لا تتأثر بها كثيرًا كما لو سمعتها منه مباشرة بروحه وتفاعله وبكائه الذي يضفيه عليها.. وقل ان سمعت منه خطبة لم يبكِ فيها.. لقد كان – طيب الله تعالى ثراه – يستدل بالآيات والأحاديث ، ويشير إلى المراجع التي تؤيد رأيه ناقلًا إلى المستمعين له صفحات نيّرة من أقوال الأئمة الأربع والصحابة .

ربما يقول قائل كيف عرفت سماحة الشيخ ومن أين لك بكل هذه الشهادات له ، ولهم أقول لقد صحبت الشيخ في العديد من المواقف ، وصاحبته في العديد من السفر إلى خارج لبنان ، كان أهمها صحبته في الحج إلى بيت الله الكريم مع سماحة المفتي عبد اللطيف دريان في عام ١٩٩١ بدعوة ملكية ، وصاحبته إلى مؤتمريين علميين دينيين عُقدا في القاهرة ، وكذلك في الملتقى الأول لخريجي جامعة الأزهر الشريف الذي انعقد بالقاهرة ما بين ١١ و١٣ أبريل/نيسان ٢٠٠٦ ، مع سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية السابق سماحة د. الشيخ.محمد رشيد قباني(وكنت مدعوا إليه كضيف مشارك ، من قبل رئيس جامعة الأزهر الشريف آنذاك الأستاذ الدكتور “أحمد الطيب” الأمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الحالي من ٢٠١٠) لأنني لست من خريجي الأزهر السريف . حيث رأى أعضاء الملتقى ضرورة إنشاء كيان باسم “الرابطة العالمية لخريجي الازهر” التي تأسست ٢٠٠٧ .

وفي خلاصة القول أُؤكّد على إنَّ منْ أشدِّ الأنباءِ تكديرًا، وأعظمِهَا إيلامًا وتأثيرًا: نبأَ وفاةِ عالم جليل كسماحة الشيخ “خليل الميس” الحي في قلوبنا وعقولنا ، واقول أيضًا إنَّ غِيابَ ذوي الفضلِ والمكانةِ، لَهُوَ منْ أشدِّ هذهِ الأكدارِ وأعظمِها وقعًا، وأبلغِها أثرًا ، و أفولأخيرًا أنه يصعب أن يحيط بافضال أعمال”مفتي الكلمة الطيبة” مقال ، ولكن ما ذكرته غيض من فيض.. وبعض الوفاء لشيخنا في زمان قل أن يقدّر فيه العلماء الربانيون كما يقدّر فيه أهل الفن والغناء والثروة والجاه والفساد السياسي .

فرَحِمَ اللهُ تعالى سماحةَ شيخِنَا رَحمةًواسعةً ، وغَفَر لهُ في المهديينَ ، ورفعَ درجاتِهِ في عِلِّيِّينَ ، وألحَقَهُ بصالحِ سلفِ المُؤمِنينَ .

يحيى أحمد الكعكي.

yehia.elkaaki@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.