قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – ما بصائب إلاّ “صائب سلام ١٩٥٢” للإنقاذ

129

كتبت على صفحتي على “الفايسبوك” صباح أول من أمس الخميس: “من ١٣ نيسان/ ابريل ١٩٧٥ الى الآن وبعد آثار “التفجير الجهنمي” ٢٠٢٠/٨/٤، لا يزال الحريق مستمراً، ولكن بصور جديدة نتيجة لأحداث جديدة”.

وهو استنتاج شخصي مبني على استمرار فترة “الشغور الرئاسي” منذ ٢٠١٤/٥/٢٦، وبسبب تغيّب القرار السيادي الوطني منذ ذلك التاريخ.

وحتى يخفي اللاعبون في السلطة السياسية الآن عيوبهم وعدم احترامهم للدستور والقانون، ولدعم وجودهم الوهمي في السلطة والذي أوصل الوطن الى ثلاثية الأبعاد: “الإنهيار الذوبان الإختفاء”، كانوا دائماً يحاولون أن يوقظوا “الفتنة الطائفية” في النفوس التي كانت نائمة ليتخذوا منها وسيلة لتحقيق غايتهم في محاولتهم العودة بـ”لبنان الكبير” في “مئويته الأولى” الى حجمه الصغير على قياسهم..! وهم في ذلك تناسوا أن “توازن الرعب والخوف الطائفي” لا يصنع وطناً -تجربة “الحرب القذرة” من ١٩٧٥/٤/١٣ الى ١٩٨٩/٩/٣٠- بل ما يصنع وطناً هو “القرار السيادي الوطني المستقل” الذي غيّبوه.

وعلى ضوء ما يحدث منذ عشرة أشهر، “فراغ سياسي” و”انهيار اقتصادي” وصل الى حد إعلان إفلاس لبنان في مارس/ آذار ٢٠٢٠، وارتفاع التضخم الى حوالى ١٢٠ بالمئة، ومجاعة هزّت الوضع الاجتماعي ودفعته نحو الإحتقان والإنفجار..

عدت بالذاكرة الى مثل هذه الأوضاع وإنما سياسياً فقط، وهي “أزمة التسعة أشهر”، من كانون الثاني/ يناير ١٩٥٢ الى ١٩٥٢/٩/١٨.. وهي التي أسقطت ثلاث حكومات بسبب تمرير المجلس النيابي مشروع موازنة ١٩٥٢ التي عارضها الشعب، وحاول الرئيس “بشارة خليل الخوري” في فترته الرئاسية الثانية -وكان مصابا بفساد أخيه “سليم” الذي كان يلقب بـ”السلطان سليم”-.

ولقد حاول “بشارة” إحتواء النقمة الشعبية بتشكيل حكومة برئاسة “سامي الصلح” في ١٩٥٢/٢/٩ بعد إقالة حكومة “عبدالله اليافي” التي كانت تحكم منذ ١٩٥١/٦/١٩، إلاّ ان “سامي الصلح” وتحت الضغط الشعبي قدّم استقالته في ١٩٥٢/٩/٩.. وفي اليوم الثاني بدأ “بشارة” الاستشارات النيابية لتشكيل حكومة جديدة بعدما كان قد شكل حكومة مصغّرة ثلاثية من كبار الموظفين برئاسة “ناظم عكاري” يعاونه الوزيران “باسيل طراد” و”موسى مبارك”..

وسمّى “بشارة” نائب بيروت “صائب سلام” لتشكيل هذه الحكومة، وفعلاً بدأ “صائب” المشاورات لتشكيل الحكومة في ١٩٥٢/٩/١٢، فردّت المعارضة بالدعوة الى اضراب شعبي شامل ليومين، وتحت هذا الضغط طلب “بشارة” من “العكاري” أن يستقيل، وأسند رئاسة الحكومة الثلاثية الى “سلام” على أساس انه رجل سياسي ونائب عن بيروت، وفي ١٩٥٢/٩/١٥ إجتمعت الوزارة وأصدرت بياناً بأنها موقتة، وأنّ واجبها الحفاظ على الأمن.

وفي الوقت ذاته نسّق “سلام” مع “المعارضة”، وطلب من “بشارة” التوقيع على مراسيم تستهدف موظفي الرئاسة، والكبار منهم تحديداً، وقال للرئيس “بشارة”: “إنّ الاضراب لا يستهدفه شخصياً بل يستهدف رئاسة الجمهورية تحديداً”.

ثم تلاحقت الأحداث والاستشارات في منزل “بشارة” في عاليه، الذي وصل إليه “صائب” ليستقيل، و”اللواء فؤاد شهاب” قائد الجيش، الذي كلفه “بشارة” الاتصال بالمعارضة، والعودة برد منها، وفي هذه الفترة حاول “بشارة” أن يقنع “الحاج حسين العويني” -أحد سياسيي ووجهاء بيروت- بتشكيل الحكومة بدلاً من “صائب” فرفض.

وعاد “اللواء شهاب” في الساعة الواحدة من فجر يوم الخميس ١٩٥٢/٩/١٨ وأخبر الرئيس بفشل مهمته، كما أخبر “بشارة” ان “الوضع الأمني مقلق جداً”.

عندها قبل “بشارة” استقالة “صائب” وعيّـن في المرسوم رقم ٩٤٤٤ “اللواء فؤاد شهاب” رئيساً للحكومة يعاونه الوزيران “عكاري” و”طراد”..

وطلب “بشارة” بعدها من رئيس المجلس النيابي “أحمد الأسعد” مع النواب الحضور الى مكتبه.. وبعدما اجتمعوا تلا عليهم “ناظم عكاري” كتاب استقالة رئيس الجمهورية “بشارة الخوري”، وبعدما انسحب الحاضرون قرّب “بشارة” اللواء “فؤاد شهاب” منه وسلّمه “الدستور اللبناني”، وقال له: “احتفظ به وحافظ عليه”. ولا يزال الجيش اللبناني منذ إنشائه في ١٩٤٥/٨/١ برئاسة “فؤاد شهاب” يحافظ على “الشرعية الدستورية”.

واستناداً الى ما سبق ذكره فإنّ المطلوب الآن لإنقاذ “ما تبقى من لبنان” من الانحدار الى الهاوية الثلاثية الأبعاد “الإنهيار الذوبان الإختفاء” شخصية وطنية بحجم ووزن “صائب بك سلام”.. صاحب مقولة ان لبنان لا يُحكم إلاّ بـ”لا غالب ولا مغلوب”.. ولا أنسى ما كنا نردده ونحن في مرحلة الشباب في منتصف ستينيات القرن العشرين الماضي وأوائل سبعينيات ذلك القرن: “ما بصائب إلاّ صائب”..
يحيى أحمد الكعكي

yehia.elkaaki@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.