قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – ما قبل الفوضى الهدّامة

29
حينما يفقد مجتمع من المجتمعات القدرة على التواصل العاقل، يكون ذلك “علامة على تحلل هذا المجتمع” بحسب “بي. إس. أليوت”، الشاعر والمسرحي والناقد الأدبي الإنكليزي (١٨٩٨- ١٩٦٥)، والحائز على جائزة نوبل للآداب ١٩٤٨… وهذا ما يصدق الآن على “المجتمع اللبنان”.

لأن المصالح الضيّقة انتعشت منذ ٢٠١٦/١٠/٣١ على العامة، والطائفية والمذهبية على حساب الوطنية، وهذا نذير خطر حقيقي حاصر و يُحاصر “الوطن – لبنان”، بـ”أزمة وجود” سياسية، نتج عنها إنهيار إقتصادي، وإعلان “لبنان” إفلاسه في آذار/ مارس ٢٠٢٠، في سابقة خطيرة في تاريخه، أجّجت التدهور الاجتماعي الذي يعيش فيه منذ اواخر ٢٠١٩، وباتت “مجاعة ١٩١٥- ١٩١٦” تدق كل أبواب اللبنانيين المُغيّبين.. بل أصبحت داخل بيوت الأكثرية الساحقة من هؤلاء اللبنانيين..!

المطلوب إذن، و قبل ان تعمّ “الفوضى الهدّامة” -“لبنان جائعون”-، القيام بمساهمات بعيدة عن المصالح الضيّقة، والطائفية والمذهبية، لتخفيف هذا الإحتقان الذي لا يزال “سياسيًا – إقتصاديًا” حتى الآن يهدّد أمن واستقرار هذا “الوطن” بـ”الإختفاء”..!

ولتخفيف هذه “المواقف المتشدّدة” التي تقض مضاجع اللبنانيين الذين تعبوا من حالة “الخوف” التي يعيشون في أتونها بقلق دائم (منذ ما بعد ٢٠١٦/١٠/٣١) والتي جعلتهم كـ”السكارى وما هم بسكارى” لأن رزقهم وعيشهم أصبح كالسراب يسعون إليه ولكن حينما يصلون إلى بقعته لا يجدون شيئًا بل يجدون السراب يتجدّد..!

وفي ظل هذا “الخوف” الذي يزداد بضغطه على “الوطن والمواطن”، وخصوصًا منذ إعلان من يتمسّك الآن بمقولة “لويس الخامس عشر” ملك فرنسا (١٧١٠- ١٧٧٤): “أنا الدولة والدولة أنا” ناقضًا بذلك “الدستور اللبناني ١٩٩٠”، خصوصًا في فصله الرابع تحديدًا، ويا ليت كبير الوزراء عنده يعود إلى قراءة هذا الفصل، والعمل به قبل فوات الأوان، إلاّ إذا كان هو ووزرائه يعملون عن سابق تصوّر وتصميم على نقض بنود هذا الفصل، والعمل لتمزيق “دستور ١٩٩٠” لأنه لا يخدم مقولة “أنا الدولة والدولة أنا”..!

وفي هذا السياق، يطرح هذا السؤال : من يكسب الرهان الآن على مستقبل لبنان إذا لم تشكّل الحكومة المنتظرة من ٢٠٢٠/٩/١؟

كثيرة هي الاحتمالات، وفي مقدمها إحتمالان:

أولهما: خيار الإستقرار والأمن والأمان مع الدولة الوطنية اللبنانية على أسس القانون الدستوري الصادر في ١٩٩٠/٩/٢١، مع اللبنانيين المعتدلين.

وثانيهما: “الفوضى الهدّامة” مع المتشددين الحاليين، الذين يدّعون ان التاريخ يكتبه المنتصرون! ولكن أين هو هذا الإنتصار على أرض الواقع؟ والذين يريدون كتابة هذا التاريخ في “مؤتمر تأسيسي” غامض الرؤى، يصيغ دستورًا جديدًا.للبنان!.. في ظل هذه الاجواء المشبّعة بالإحتقان حتى الإنفجار..!

وكيف سيصيغ اللبنانيون دستورًا جديدًا للبنان، وهم فشلوا حتى الآن في الإتفاق على تشكيل حكومة إختصاصيين لإنقاذ لبنان من أخطار ثلاثية “الإنهيار الذوبان الإختفاء”؟

إنّ هكذا “مؤتمر تأسيسي” غامض، في أجواء سياسية غامضة، سيؤدي إلى وضع سياسي غامض، ومتأزّّم أمامه: “الفيدرالية” (مع ان كل أسباب قيامها غير موجودة في لبنان).. أو “التقسيم” بعد “حرب أهلية” كثُر الحديث عنها من قبل هؤلاء المتشددين..!

إنها أجواء القلق التي يعيشها “لبنان الكبير” -حتى الآن-، ما قبل “الفوضى الهدّامة” في حال اغتيال “دستور ١٩٩٠”، واغتيال عن سابق تصوّر وتصميم أيضًا “إتفاق الطائف” ١٩٨٩/٩/٣٠ الذي كان قد عبّد كل الطرق لولادة دستور ١٩٩٠ “المغيّب” حتى الآن.. عن سابق تصوّر وتصميم ممن يقول “أنا الدولة والدولة أنا”..!!

ولكن.. صدق الشاعر العربي (في العصر الجاهلي) “عمرو بن معدي كرب بن ربيعة الزبيدي” (٥٢٥م- ٦٤٢م) الذي قال
“لَقَد أَسَمَعت لَو نَادَيتَ حيًا/ وَلَكٍن لا حَياةَ لِمَن تُنادي”
“وَلَو نَار نَفَختَ بِهَا أَضَاءت/ وَلَكِن أَنتَ تَنفِخُ في رَمَاد..”..
٠
وهذه الكلمات تُقال فيمن لا فائدة فيه ولا رجاء، ومهما حاولت نُصحه لا يَسْتَجِبْ.. كما هو حال صاحب مقولة”أنا الدولة والدولة،أنا”..في “لبنان الحالي”. !!!

يحيى أحمد الكعكي

yehia.elkaaki@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.