قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – ودعوه يا شهرنا عليك السلام

33

إن شاء الله تعالى غدًا الخميس ٢٠٢١/٥/١٣ سيهل علينا “عيد الفطر السعيد» ( العيد الصغير كما نسميه منذ الصغر ) بحسب “الرؤية البصرية الشرعية” التي إتفقت مع “الرؤية الفلكية” ، أعاده الله تعالى على “القطرين” – “لبنان ومصر” ، وعلى سائر الأقطار العربية جميعًا ، والعالم الإسلامي بالخير والأمن والأمان والاستقرار ، سائلين المولى عزّ وجلّ ، أن يصرف عنا الوباء والدواء و البلاء و الغلاء و سيئ الأسقام والأذى ، إنك يا رب على كل شيء قدير .

وفي هذه الساعات المتبقية من شهر “رمضان المبارك” – هذا الضيف العزيز الغالي- ونحن نودّعه فيها ونقول له كما تعلمنا في الصغر في كلية المقاصد الحرج ببيروت: “رمضان شهر البرّ صار مُودّعًا.. والعيد قد وقف على الأبواب.. يا رب أقبل صومنا وصلاتنا.. يا رب واختم لنا بالخير يا منان” .

وكنا نقول له والغصّة تكاد تخنقنا والدموع تتدحرج على خدودنا: “يا شهرنا عليك السلام.. يا شهرنا عليك السلام” .

هكذا تعلمنا على يد الشيخين : ” محمود الشميطلي” ، “محمد عيتاني” تغمدهما الله تعالى بواسع رحمته وأسكنهما فسيح جناته.

وكذلك من العلامة المرحوم الشيخ “فهيم أبو عبيه” رئيس بعثة الأزهر الشريف في لبنان آنذاك ، الذي كان يزورنا في المدرسة في حُصص التربية الدينية بين الفترة والفترة ، والذي  غرس فينا معالم “الوسطية والإعتدال والتسامح” ، و”الوطنية الجامعة”، و”االقومية العربية”في الإنتماء والهوية ، (و كانت حنكته هي التي بنت للأجيال اللبنانية والعربية “جامعة بيروت العربية”) .

فكان ما تعلمناه معه “كالنقش على الحجر” -كما يؤكّد على ذلك المثل اللبناني – :” العلم في الصغر كالنقش على الحجر” ، لذلك كنت – ولا أزال – “أزهري الهوى” ، مع أنني لم أتعلم في “الأزهر الشريف” .

عادات وتقاليد مميّزة ستفارقنا وهي التي كانت تنوّر ليالينا بـ”الضياء الرمضاني” بكل معانيه وصوره ، في “روحانية” في  أيامه المعدودات ، أو “حلاوة” هذه الأيام التي فيها كل “حاجة حلوة” – كما يصفها المصريون- ، من :”زينة رمضان” – وفيها درتها فانوسها-  ، و”مدفع الإفطار إضرب” ، و”زحمة ما قبل الإفطار” ، و”اللمة الرمضانية” عند الإفطار أو بعده عائليًا ، أو مع الأصدقاء ، (والتي قلّت كثيرًا هذا الرمضان ، وفي رمضان الماضي ، بسب “ڤيروس كورونا الصيني الجهنمي” ) ، وقراءة وسماع القران الكريم ماقبل ومابعد الإفطار،  وختمة القران الكريم ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ، و”الانشاد الديني” ، والابتهالات الدينية” ، و ” الطّبال” أو  “المسحراتي”، و”أغاني رمضان” الملتزمة بآداب هذا الشهر الفضيل” .

ومنها سماع الأناشيد الدينية بعد إذاعة صوت “مدفع الإفطار” وأذان المغرب بصوت قيثارة السماء”الشيخ محمد رفعت» (١٩٥٠/١٨٨٢) ، ومن عبقري التلاوة” الشيخ محمد محمود الطبلاوي” (٢٠٢٠/١٩٣٤) ، وفي مقدمة المنشدين المصريين  الذين انصت إلى أصواتهم :”الشيخ نصرالدين طوبار”
(١٩٢٠/ ١٩٨٦) ، الذي قالت عنه الصحافة الألمانية في ستينيات القرن العشرين الماضي ” أن صوته يضرب على أوتار القلوب” .

و”الشيخ طه الفشني”( ١٩٧١/١٩٠٠) الذي أُتخب رئيسًا لرابطة المتشددين المصريين ١٩٦٢ ، وصاحب المدرسة المصرية والعربية في الابتهالات والانشاد الديني “الشيخ محمد سيد النفشبندي”(١٩٢٠/١/٧- ١٩٧٦/٢/١٤) ، الذي حباه الله تعالى صوتًا قويًا ، وهو أوسع الأصوات مساحة في تاريخ التسجيلات في مصر .
والفنان محمدالكحلاوي”(١٩٨٢/١٩١٢)، والفنان الشعبي الذي كان يُؤلف ويُحّلن ويُغني ، صاحب ال ١٠ آلاف موال “محمد طه”(١٩٩٦/١٩٢٢) ، وهو يصدح في موال وداع رمضان الكريم  “رمضان مُروّح وسايب لنا عيده، وعود يا ليالي الهنا نوّر  النبي عيده ، وتعود علينا وعليِكون ولا يخلي مواعيده ، وباخره يا ناس بنفرح بيوم عيده” .

ومن المنشدين العرب رئيس رابطة المنشدين السوريين «توفيق المنجد» رحمه الله تعالى، وهو «توفيق الكركوتلي» ولد في دمشق ١٩٠٩  وتوفى فيها ١٩٩٨ ولقب بـ”المنجد” لأنّ والده كان يحترف مهنة التنجيد ، لم يتلق فن الإنشاد عن أحد ، ولكن أجواء أسرته ومحيطها كانت تدفعه إلى الإنشاد ، أُفتُتن بألحان “سيّد درويش”(١٨٩٢/ ١٩٢٣الموسيقار المصري الشهير المجدّد في الموسيقى العربية)، وموشحاته وحفظها .

تميّز صوته ، بصوت روحاني خاص بعيد عن الغناء والطرب ، وتصدّّر “الإنشاد الديني” زمنًا طويلًا لأكثر من ٦٠ عامًا ، ولُقّب بـ”بلبل الشام” ، و” كروان الشام” ، وصوت رمضان” ، لروعة أناشيده ومدائحه وتأثيرها في النفوس ، وظل رئيسًا لـ”رابطة المنشدين السوريين” في سوريا حتى وفاته ١٩٩٨ وترأسها من بعده “حمزة شكور”(٢٠٠٩/١٩٤٢) ولُقب بشيخ المنشدين السوريين بعد وفاة “المنجد”.

وكنت قد تعرفت إليه في احتفال ذكرى “المولد النبوي الشريف” ١٩٩١ الذي أقامته وزارة الأوقاف السورية ، وكنت أُمثل دار الفتوى في الاحتفال ، (وكان الدكتور”عبد المجيد الطرابلس ١٩٩٩/١٩٢٦) وزيرًا للأوقاف ، وهو يُعتبر من أهم وزراء الأوقاف السوريين في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين الماضي .

زار”صوت رمضان” لبنان مرتين بدعوة من “دار الفتوى” اللبنانية، حينما كنت أمينًا للسر الخاص لمفتي الجمهورية السابق الدكتور الشيخ “محمد رشيد قباني” ،؛وكان حينذاك قائم مقام مفتي الجمهورية اللبنانية ؛ المرة  الأولى مساء الخميس ٢١ رمضان ١٤١٤ هجرية الموافق ١٩٩٤/٣/٢ حيث أحيى “ليلة رمضانية” في “المركز الإسلامي – عائشة بكار” ، والمرة الثانية ١٩٩٥، حين أحيى مساء الجمعة ١٩٩٥/٢/٢٥ “ليلة ٢٥ رمضان ١٤١٥ هجرية” في “جامع عين المريسة” .

وحضر اللبلتين الرمضانيتين سماحة “المفتي  قباني” وممثل عن وزير الأوقاف السوري ، وشيخ قرّاء سورية ” كريّم راجح” ( ١٩٢٦ تولى المتصب ١٩٨٨ واستقال ٢٠١١) ، والعلامة الداعية” محمد راتب النابلسي”( ١٩٣٨ أمد الله تعالى في عمره).وكان لهما كلمتين في الليلتين ، والعديد من الشخصيات الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعسكرية والإعلامية ، وامتد الحضور في الليلة الثانية إلى خارج المسجد بعد امتلاء المسجد ، وكان لهذه “الليلة الرمضانية”  مكانة هامة في كل الصحف اللبنانية والسورية وصحيفة الأهرام القاهرية .

و أبكى “صوت رمضان” بلبل الشام ” توفيق المنجد” ( رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته ) الحضور في الليلتين بإنشاده الديني ، وابتهالاته الدينية ، وتواشيحه المنيّزة في وداع “شهر التوبة” ، ولا يزال صوته وهو يصدح في ودادع ” الضيف الكريم ” قائلًا : ” رمضان شهر الصوم ولى وانقضى ، أسفًا .. أسفًا عليه جامع أحبابي ، رمضان شهر الخير والتقوى مضى ، يا شهر عُد دومًا على الترحابِ” ، يرن كل عام في أذني وإنا أُودّع “شهر رمضان” خصوصًا في مثل هذه الليلة ، مع أنه قد مضى على سماعي لهذا التوشيح ٢٦ عامًا .

إنّه “العشق” للشهر الفضيل الذي يكشف عن حقيقة “الروح الإيمانية” ، لأنه  كان -ولا يزال- هو “الوقت المُتمنَى” من “حساب الزمن” كل عام ، نحتفل بالحياة بقدومه ، بقدر ما نؤمن بحتمية الرحيل عن الدنيا والبعث يوم الحساب ونحن نودّعه بـ “ضيائه الإيماني الخاص ” ، ونحن نقول : “ودّعوه يا شهرنا عليك السلام” .

اللهم أجعلنا ممن لا يملكنا شيئًا ولا يَذُلنا أحتياجُنا إلى  شيء ، اللهم اختم رمضان وقد غفرت ذنوبنا وعتقت رقابنا من النار ، واصطفيتنا من عبادك الصالحين.. اللهم آمين .

يحيى أحمد الكعكي

yehia.elkaaki@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.