قراءة – بقلم يحي احمد الكعكي – «١٠٣» سنوات كرامة (٢/١)

16

١٩١٨/١/١٥ تاريخ لا يُنسى وباقٍ في العقول والقلوب للملايين من العرب ومواطني «العالم الثالث»، انه تاريخ ميلاد الزعيم «جمال عبدالناصر» الخالد الذكر، الذي غيّر مع ثورة ٢٣ يوليو/ تموز ١٩٥٢ وجه «مصر»، ووجه الأمة العربية، والقارة السمراء، وأحدث في هذه الدوائر الثلاث تحوّلًا عميقًا على نحو جذري، حيث أمّّن مستقبل مصر والأمة العربية ليكونوا بعظمة ومجد ماضيهم، ودعّم قدراتهم على مواصلة مسيرة «البقاء والإنماء» بقرارهم السيادي الوطني.

كما مهّد بفلسفة «الحياد الإيجابي» لقرار «تصفية الإستعمار» والذي أُُقر في ١٩٦٠/١٠/١٤ في هيئة الأمم المتحدة، لتصبح بعده «القارة السمراء» محرّرة من الإستعمار القديم «البريطاني – الفرنسي – البلجيكي وغيرها من الدول الأوروبية »، ولقد كرّمت «قارة المستقبل» الزعيم ناصر» بانتخابه بالإجماع أول رئيس لـ»منظمة الوحدة الأفريقية » ما بين ١٩٦٤/٧/١٧ إلى ١٩٦٥/١٠/٢١، وهي التي أصبح اسمها منذ عام ٢٠٠٢ ب»الإتحاد الأفريقي ».

لقد نجح «الزعيم ناصر» في بناء «عهد الكرامة» في التاريخ المصري المعاصر، الذي غيّر وجه الحياة في مصر على نحو جذري، بتقديم هذا العهد لشعبه العديد من الإنجازات الضخمة بعد إنهائها الاحتلال، والقضاء على الإستعمار وأعوانه في الداخل وذلك في مجالات الإصلاح الزراعي، والثورة الصناعية، وبناء جيش وطني قوي، وتأميمها لقناة السويس لتصبح «القناة لمصر بعدما كانت مصر للقناة».

وبنائها أهم مشروع حياتي لكل المصريين وهو «السد العالي» ليؤكد هذا السد الوطني على أنّ «مصر» ليست «هبة النيل» فقط كما حفظ التاريخ ذلك عن المؤرخ اليوناني الشهير «هيرودوت» (حوالى ٤٨٤ق.م- ٤٢٥ق.م) بل انّ النيل «هبة المصريين»..

كما أكّدت «ثورة ١٩٥٢/٧/٢٣» على أرض الواقع مع «الناصر جمال عبدالناصر»، مبدأ «مصر التاريخ» الحياتي: «الدين لله والوطن للجميع» -وهو الذي كان شعار ثورة الشعب المصري في ١٩١٩/٣/٨ التي قادها ابن الازهر الشريف «سعد زغلول» والتي تعانق فيها «الهلال مع الصليب»- راسمُا فيها ومعها إطار “الدولة الوطنية المصرية” -دولة القانون والمواطنة- التي لا يزال فيها المصريون «متعدّدون في الدين ومتحدين في المواطنة» -او رمز العيش المشترك الحقيقي-.

وقد أشار «بابا الڤاتيكان» -“فرنسيس”- بهذا المبدأ الحياتي حينما زار مصر في ٢٠١٧/٤/٢٨ قائلُا للمصريين: «لديكم مبدأ عظيم، المنطقة بأثرها متعطّشة له، فرووا عطشها بتصديره لها»..

وباختصار، لقد استطاع «الزعيم ناصر» بإحداثه تحولًا عميقًا في تاريخ مصر المعاصر، أنهى مرحلة.. ومهّد الطريق امام مرحلة جديدة دعّمت من قدرات «مصر التاريخ»، على مواصلة مسيرة «البقاء والإنماء» بقرارها السيادي الوطني في دوائر ثلاث «الدائرة العربية- الدائرة الافريقية- الدائرة الاسلامية»، وقد اكّد عليها «ناصر» في كتابه «فلسفة الثورة».
ولقد كان «ناصر» صادقًا مع نفسه، ومع فلسفته، ومع إيمانه بالدور الذي تستطيع مصر أن تقوم به في محيطها العربي اولًا، ثم في محيطها الأفريقي ثانيًا، ثم في محيطها الإسلامي ثالثاً، ثم في المحيط العالمي.

وبذلك تجاوز تأثيرها نطاق مصر والوطن العربي لتصبح رمزًا لنضال شعوب عديدة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، كانت تكافح من أجل استقلالها الوطني.. وتتوق إلى غدٍ جديدٍ يصون عزتها وكرامتها.. حتى تحقّقت أحلامها، وكان ذلك إيذانًا ببدء حقبة جديدة في التاريخ الإنساني المعاصر، وولادة «العالم الثالث» ١٩٥٩- ١٩٦٠.

بعدما شهد العالم انحسار موجة الاستعمار التي بدأت منذ انعقاد «مؤتمر باندونغ» ١٩٥٥ -عاصمة جاوة الغربية بأندونيسيا- والذي أسس لمبدأ «الحياد الإيجابي »، والذي كان قد سبقه ظهور مصطلح «التعايش السلمي» ١٩٥٤ والذي ظهر عن اجتماع الدول الثلاث «الهند- الصين الشعبية- مصر».

وقد بلّور «مؤتمر باندونغ» الفكرة التي حملتها مصر وهي «القضاء على الإستعمار » -أو تصفية الإستعمار- ولقهر «التمييز العنصري»، ولإعلاء دور «حقوق الإنسان الدولية»، وهذا كله بلور فكرة «الحياد الايجابي»، والإنتقال بتجمّع الدول «الآسيو-أفروية» من تعبير جغرافي لا أهمية له إلى «رقم سياسي هام» في قوته السياسية الضاغطة، والتي أصبح لها دورها في «الجمعية العامة للأمم المتحدة» بزعامة «ناصر» و»نهرو» (الزعيم الهندي) و»تيتو» (رئيس يوغوسلافيا القديمة التي تقسّمت بعد ١٩٩٠ الى ٧ دول).

وغداً إن شاء الله تعالى لقاء آخر..
يحيى أحمد الكعكي

yehia.elkaaki@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.