قضاء الجنرال يشوّه سمعة القضاء اللبناني

126

كتب عوني الكعكي:

من القاضية غادة عون الى القاضي فادي صوان كما يقول المثل الشعبي «من تحت الدلفة الى تحت المزراب».

هذا ما استدعى دولة رئيس مجلس النواب الاستاذ نبيه بري أن يرد على كتاب القاضي فادي صوان، وهو القاضي المكلف بالتحقيق في جريمة مرفأ بيروت التي وقعت بتاريخ 4 آب 2020 وذهب ضحيتها 200 مواطن لبناني لا ذنب لهم ولا ناقة ولا جمل، إلاّ أنهم كانوا يسكنون في تلك المنطقة، وتشريد 300 ألف مواطن وهدم 30 ألف منزل.

والأنكى من هذا كله، أنّ رئيس الجمهورية الجنرال ميشال عون أعلن في اليوم الثاني للحريق، بأنّ هناك تحقيقاً يحتاج الى 4 أيام وسوف يكشف كل شيء، ولغاية اليوم، لم يصدر إلاّ كتاب من القاضي الكبير فادي صوان الى رئيس مجلس النواب.. فماذا يقول الكتاب؟

يطالب القاضي صوان في هذا الكتاب مجلس النواب بتحمّل المسؤولية، والقيام بما يراه مناسباً في حق وزراء، تعاقبوا على وزارات: العدل والمالية والأشغال. «قد» تكون هناك شبهة إهمال من قبلهم، أدّت الى ترك مادة «نيترات الامونيوم» في المرفأ، طوال السنوات الماضية. لكن كتاب صوان، لم يحمل أي ادعاء، لكنه أشار الى إمكانية أن تكون هناك شبهة إهمال عند رؤساء الحكومات منذ عام 2013… ولا يتضمن الكتاب أي اتهام لهم.

الغريب أنّ الوزارات التي أشار إليها الكتاب اقتصرت فقط، على العدل والمالية والأشغال. فلماذا جرى تجاهل وزارات أخرى كشفت التحقيقات انها كانت على علم بالأمر، وقامت بمراسلات ومنها وزارة الدفاع والداخلية.

أسف مجلس النواب لمثل هذه الخطوة التي لا تحترم مبدأ فصل السلطات المنصوص عليها في الدستور، واعتبر أنّ الرسالة إنتقائية، لأنها ذكرت رؤساء حكومات، من دون تسميتهم، لكنها سمّت وزراء معنيين أمثال علي حسن خليل وغازي زعيتر ويوسف فنيانوس ولم تسمّ وزراء آخرين كانوا في الفترة نفسها، أمثال سليم جريصاتي وزير العدل وألبير سرحان وكلاهما من «التيار الوطني الحر» والوزير غازي العريضي.

وما قام به القاضي فادي صوان يخالف المادة 80 من الدستور والتي تنص على مهمة المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

إنّ ما قاله المحقق العدلي «الكبير» فادي صوان من ان هناك شبه إهمال، في كتابه الى رئاسة مجلس النواب يستتبع حكماً ووفقاً للقانون، أصول المحاكمات المدنية المعمول بها حتى في القضايا الجزائية، وعليه أن يبادر فوراً الى عرض التنحي التلقائي، لأنه أبدى وجهة نظر مسبقة قبل صدور القرار الظني، وفي حال عدم قيامه بهذه الخطوة فإنه يحق لكل متضرر من جريمة المرفأ النكراء أن يطلب رد هذا القاضي الكبير وفقاً للقانون. ونضع هذا الأمر برسم كل من مجلس القضاء الأعلى ونقابتي المحامين في لبنان.

هذا بالنسبة للقاضي الكبير فادي صوان. أما بالنسبة لقاضية الأسرة المالكة النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان الرئيسة غادة عون فإنّ ما قامت وتقوم به لا ينزل في ميزان ولا قبان، وعلاقاتها بالسيدة هدى سلوم، ما أنزل الله بها من سلطان، فهي قد حلّت محل كل القضاة في لبنان ونصّبت نفسها مدعياً عام تمييزياً وقاضي تحقيق أول، واعتبرت نفسها مسؤولة عن صلاحيات محافظة جبل لبنان ومحافظة بيروت… والعجب العجاب، أنها أحالت ملف السيدة هدى سلوم في ما يتعلق بدوائر الميكانيك الى بيروت بحسب الصلاحية، وعندما قام قاضي التحقيق في بيروت جورج رزق بتركها بسند إقامة، أقامت غادة عون الدنيا، وطلبت من النائب العام زياد ابي حيدر في بيروت استئناف هذا القرار أمام الهيئة الاتهامية.

لقد فجّر قرار النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان غادة عون، بتوقيف رئيسة مجلس الإدارة – المدير العام لإدارة هيئة السير (النافعة) هدى سلوم غضب النائب هادي حبيش الذي وصف عون بـ»قاضية ميليشياوية».

ولم يسكت حبيش المزنّر بحصانة نيابية، ولم يترك كلمة إلاّ وقالها بحق عون وأمام مكتبها وطالب بإقالتها وإحالتها على هيئة التفتيش القضائي.

لقد تجلّت استراتيجية العهد وفريقه، بمعركة إزاحة رئيس مصلحة تسجيل السيارات والآليات المهندسة هدى سلوم من منصبها، وتعيين أحد كوادر «التيار البرتقالي» مكانها، فلا مشكلة للعهد في فبركة الملفات القضائية لتحقيق أي هدف منشود يعود بالخير والمنفعة على «التيار».

ولا يخفي مصدر قضائي، أنّ قرار القاضية عون بإصدار مذكرات بلاغ البحث والتحرّي، أربكت السلطة القضائية التي لم تجد له مبرراً.

ولنعدْ الى جريمة تفجير المرفأ، جريمة العصر، فإنها لا تحتاج الى كل هذا الوقت، فالقضية واضحة، وكما أعلن مسؤول كبير سابق بأنّ الحريق لا يمكن أن يحفر في الأعمدة الاسمنتية، أي الإهراءات التي يُخزّن فيها القمح، ولولاها لدُمّرت بيروت بالكامل، ثلاثة أمتار ونصف المتر.

فالتحقيق في جريمة المرفأ هذه، لا يبدو أنّه سيكون قريباً، بسبب المصالح السياسية التي تحكم أي تحقيق من شأنه أن يطال أي طرف أو جهة محسوبة على مسؤول معيّـن، فتبقى الحقائق غائبة والمتورّطون بعيدون عن المحاسبة… ومن هنا يبرز التساؤل سبب تمنّع رئيس الجمهورية توقيع مرسوم إقالة بدري ضاهر المحسوب على «التيار».

فعن أي قضاء نتكلم؟ هل هو قضاء الجنرال للقضاء على القضاء كله؟ أم هو قضاء غبّ الطلب وضمن المرحلة العونية لإسدال الستار عن كافة مخالفات العونيين؟!! وعودٌ على بدء، يتبيّـن لنا وبالعين المجرّدة اننا أمام قضاء الجنرال وتحكّمه بمفاصل القضاء اللبناني كله.

aounikaaki@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.