كابوس المنطقة: لا اتّفاق لا حرب

24

بقلم موفق حرب

«أساس ميديا»

قد لا يكون أخطر ما في المواجهة مع إيران حرباً شاملة تُشعل الشرق الأوسط دفعة واحدة، بل العكس تماماً: أن تتوقّف الحرب من دون أن يبدأ السلام.

الفكرة التي تتردّد اليوم في دوائر القرار ليست اتّفاقاً تاريخيّاً، ولا اجتياحاً عسكريّاً، بل سيناريو أكثر دهاءً وأشدّ خطورة: لا صفقة نوويّة، ولا إسقاط للنظام، ولا حرب مفتوحة، بل حصار بحريّ طويل الأمد يُبقي إيران مختنقة اقتصاديّاً، محاصَرة استراتيجيّاً، ومُرهقة من دون رصاصة حاسمة بانتظار احتمال تحرّك الشعب الإيرانيّ.

إنّه نموذج “اللاحرب” الذي قد يحوّل الخليج إلى خطّ تماسّ دائم، ولبنان إلى ساحة ضغط متجدّدة، والاقتصاد العالميّ إلى رهينة قلق مزمن. إذا ترسّخ هذا الخيار، فلن يكون سياسة تجاه طهران فقط، بل إعادة صياغة لمعادلة الشرق الأوسط والعلاقات الدوليّة: من الحروب السريعة إلى استراتيجيات الخنق الطويل، ومن الحسم العسكريّ إلى إدارة الخصوم عبر الاستنزاف البحريّ والاقتصاديّ.

بالنسبة لإيران، يعني الحصار البحريّ خنق صادراتها النفطيّة، إنهاك عملتها، وتقليص قدرتها على تمويل نفوذها الإقليميّ. لكنّه لا يضمن إسقاط النظام، بل قد يمنحه سرديّة جديدة: دولة محاصَرة تقاوم الغرب. هنا تكمن المفارقة الأميركيّة: الضغط قد يُضعف طهران اقتصاديّاً، لكنّه قد يدفعها لتصبح أكثر عدوانيّة، وأكثر التصاقاً ببكين وموسكو، وأكثر اعتماداً على شبكات التهريب والاقتصاد الرماديّ. بمعنى آخر: واشنطن قد تمنع إيران من الصعود وتوسيع النفوذ، لكنّها قد لا تمنعها من التخريب.

أمّا الخليج فسيكون أوّل من يدفع ثمن “اللاحرب”. صحيح أنّ ارتفاع أسعار النفط قد يحقّق مكاسب ماليّة مرحليّة، لكنّ الحصار الدائم يعني عسكرة مستمرّة للممرّات البحريّة، ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وضغطاً مباشراً على نموذج الخليج القائم على الاستقرار، الاستثمار، والانفتاح العالميّ، ذلك لأنّ الخليج لا يبيع الطاقة فقط بل يبيع الثقة.

أيّ توتّر دائم حول مضيق هرمز يعني أنّ المنطقة ستعيش تحت تسعير يوميّ للخطر. الموانئ، الأسواق، الطيران، السياحة، حتّى مشاريع التنويع الاقتصاديّ الخليجيّة، كلّها تصبح عرضة لهزّات استراتيجيّة. هنا، لن تكون المشكلة فقط في إيران، بل في تحويل الخليج كلّه إلى ساحة ردع مفتوحة.

“الحزب” أمام اختبار وجوديّ

لكنّ الأخطر أنّ إيران المحاصَرة قد لا تردّ بحراً فقط، بل عبر أذرعها الإقليميّة: الحوثيّون في البحر الأحمر، الميليشيات في العراق، وساحات مثل لبنان. هنا يدخل لبنان قلب المعادلة. أيّ حصار طويل على طهران سيضع “الحزب” أمام اختبار وجوديّ، باعتباره جزءاً من شبكة الردع الإيرانيّة. مع كلّ ضغط اقتصاديّ على إيران، يرتفع خطر استخدام لبنان ورقة تفاوض أو ساحة ضغط. أي أنّ لبنان قد يجد نفسه مرّة جديدة يدفع ثمن صراع لا يقرّره، لكنّه يتحمّل نتائجه.

بالنسبة للبنان، هذا السيناريو قد يكون الأخطر: لا حرب شاملة تفرض حلّاً، ولا تسوية إقليميّة تمنح استقراراً، بل حالة استنزاف طويلة تُبقي الدولة رهينة سؤال السيادة، وحصريّة القرار، وقدرتها على منع تحويل البلاد إلى منصّة ردّ إيرانيّ. في حال تراجعت قدرة إيران الماليّة، قد يضعف تمويل “الحزب” تدريجاً، لكنّ ذلك لا يعني تلقائيّاً استقراراً. التنظيمات المسلّحة تحت الضغط قد تصبح أكثر اندفاعاً، لا أكثر اعتدالاً.

إقليميّاً، يعني هذا السيناريو شرقاً أوسطَ بلا حرب كبرى، لكنّه أيضاً بلا سلام. سيبقى العراق ساحة توازن هشّ، سوريا ممرّاً للنزاع، اليمن أداة ضغط بحريّ، ولبنان في قلب معركة السيادة.

أمّا عالميّاً، فإنّ استمرار الحصار البحريّ على إيران سيُبقي الاقتصاد الدوليّ تحت تهديد دائم. حتّى من دون انفجار يكفي بقاء هرمز تحت الضغط لإبقاء أسعار الطاقة متقلّبة، وسلاسل الإمداد العالميّة متوتّرة، والأسواق الماليّة حسّاسة لأيّ تصعيد. لن يعيش العالم صدمة حرب واحدة بل إرهاق أزمة مستدامة.

ضغط من دون احتلال

أميركيّاً، قد يبدو هذا الخيار مثاليّاً: قوّة من دون غزو، ضغط من دون احتلال، واستنزاف من دون أكياس جثث. لكنّه في الحقيقة يفرض على واشنطن التزاماً عسكريّاً دائماً، وكلفة استراتيجيّة مفتوحة، فيما تتصاعد المنافسة مع الصين وتزداد الشكوك الداخليّة في جدوى الانخراط الطويل. قد تنجح الولايات المتّحدة في خنق إيران، لكنّها قد تجد نفسها عالقة في إدارة حصار لا نهاية واضحة له.

في النهاية، “لا حرب ولا صفقة” ليس حلّاً بقدر ما هو تجميد للصراع داخل قفص جيوسياسيّ قابل للاشتعال في أيّ لحظة. قد يمنع هذا النموذج الانفجار الكبير، لكنّه قد يحوّل الشرق الأوسط إلى منطقة توتّر دائم، والخليج إلى خطّ تماسّ اقتصاديّ، ولبنان إلى رهينة جغرافيا سياسيّة لا ترحم.

أحياناً، أخطر الحروب ليست تلك التي تبدأ بالنار بل تلك التي لا يُسمح لها أن تنتهي.

موفق حرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.