كلمة في كميل منسى

89

بقلم محمد السماك «أساس ميديا»

لن أتحدث عن كميل منسى الاعلامي وأستاذ الاعلام،

ولن أتحدث عن كميل منسى رجل الأعمال والعلاقات العامة،

ولن أتحدث عن كميل منسى الكاتب والأديب الراقي،

ولكنني أود أن أتحدث عن كميل منسى «الجسّار».

وأعني بذلك باني الجسور.

صحيح ان لبنان دولة صغيرة المساحة، الا انها دولة أرخبيل، تتألف من 18 جزيرة متناثرة في بحر لجي اسمه الشرق الأوسط. في هذا البحر براكين تنفث غبارها السام باستمرار. غبار رفض الآخر واحتكار الحق والحقيقة. وفيه براكين اخرى تحت الماء، تطلق حممها المدمرة، وباستمرار أيضاً. حمم التطرف الذي يجعل من القتل طريقاً وحيداً الى الله وقربى اليه وزلفى.

أحياناً، تغمر أمواج البحر هذه الجزيرة أو تلك، بشعارات مدفوعة الأجر من هنا، أو بمشاريع وهمية من هناك، ما أنزل الله بها من سلطان. وأحياناً أخرى تعصف رياح التنافس التزلفي بين هذه الجزيرة وتلك، فينفجر بينهما التصارع و التقاتل من أجل قضية لا ناقة لأي منهما فيها ولا جمل. وعندما ينهكهما الصراع ويستنزفهما التقاتل، يبحثان عن جسور التلاقي من جديد. من أجل ذلك تحتاج الجسور بين الجزر الثمانية عشر الى صيانة دائمة، والى ترميم مستمر، وحتى عندما تكون مغمورة بمياه الصراع والتنابذ، تحتاج الى حماية لها من الحمم المتدفقة من تحت.. ومن الغبار السام الهابط عليها من فوق. وهنا نجد كميل منسى.

يؤهله للقيام بهذا الدور انه لم يحاول أن يكون قديساً بأخطاء غيره. لقد أحب وأخلص في حبه حتى للمختلفين معه، فكان معطاء ليس فقط فيما يعطي، ولكن في الطريقة التي يعطي بها.

ليس من الصعب أن تجد شخصاً، أو أشخاصاً، لا يحبون كميل منسى. ولكن من الصعب جداً أن تجد شخصاً لا يحبه كميل منسى.

يفتح الأبواب الموصدة بابتسامة، ويحل المشاكل المعقدة بنكتة. لا يعني ذلك انه رجل بلا خطيئة، ولكن أحداً من عارفيه لم يجرؤ مرة على أن يرجمه بحجر. ألم يغفر السيد المسيح الأخطاء الكثيرة لمن أحب كثيراً ؟.

كميل منسى متخصص ليس فقط في صيانة الجسور، ولكن في فن بنائها ايضاً. وهو تخصص يقوم على علوم هندسة المحبة والتفاهم والاحترام المتبادل. وهو يقوم بهذه العملية التي باتت تشكل ركناً من أركان الثقافة اللبنانية، منفرداً أحياناً، وبالمشاركة مع زملاء له في اللجنة الوطنية المسيحية – الاسلامية للحوار أو في الفريق العربي للحوار الاسلامي – المسيحي.

هذا الذي ولد في سيارة اجرة في الطريق من صور الى بيروت، اختلط فيها صراخ اطلالته الأولى على الحياة الدنيا، مع صراخ أمه وهي تضعه.. ومع صراخ سائق السيارة الذي فوجئ بالولادة تحدث في المقعد الخلفي، من دون أن يعرف ما اذا كان عليه أن يتوقف «ويصفّ على جنب».. أو أن يضاعف السرعة –مخالفاً قانون السير- للوصول الى أقرب مستشفى.. جعل من ولادته الاستثنائية بداية لحياة استثنائية، حملت الدهشة والاعجاب الى كل من استمع اليه عبر الشاشات الصغيرة.. أو من على المنابر الكبيرة.. والى كل من قرأ له مقالة أو كتاباً أو استمع اليه أستاذاً جامعياً.. وخاصة الى زملائه في لجنة الحوار الوطني، لما يتميز به فكره من انفتاح وسماحة.

لم يكن كميل، المسيح ليكلم أمه في المهد، وليطمئنها «أن لا تخافي ولا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً «، ولكنه كلمنا نحن، وكلم جمهوره وطلابه وقراءه الذين تعلموا من حكمته ومن ثقافته بصوت هادئ، لعله ما تبقى من الصراخ في السيارة. تعثر أحياناً ولكنه لم يقع أبداً. فالمسألة عنده ليست في التعثر ولا حتى في الفشل. ولكن المسألة، كل المسألة، هي في عدم الاقتناع بالفشل أو الرضى به  أو الاستسلام اليه. وبهذه الثقافة كان ولا يزال ينشط في لجان الحوار الاسلامي – المسيحي في لبنان والعالم العربي وشعاره دائماً الذي ترجمه في اللقاءات الحوارية انه لا فشل مع المحبة.

حمل تلفزيون لبنان صوته وصورته الى كل لبنان، الى الجزر الثمانية عشر، فبدا لكل جزيرة وكأنه واحد منها. وبهذه الخلفية الثقافية الانفتاحية، شارك في بناء اللجنة الوطنية للحوار وكان ولا يزال كريماً في عطاءاته لها، مبادرات وأفكاراً بناءة لجسور المحبة والتواصل والتفاهم.

لقد أغنانا كميل منسى في اللجنة الوطنية وفي الفريق العربي بتجربته الغنية في فن بناء الجسور وفي تعزيز ثقافة احترام الاختلاف، وفي تقدير نعمة التعدد حق قدرها.. حيث ما زلنا نعمل معاً، نتعلم من فشلنا ربما أكثر مما نتعلم من انجازاتنا. يصفعنا الفشل مرة، ونصفع الفشل مرات ومرات.

كميل منسى راعي جسور المحبة.. حتى اذا لم يجد جسراً.. كان هو الجسر.

محمد السماك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.