كم كنت مغشوشاً

114

في ذكرى اغتيال زميلي وصديقي جبران تويني تذكرت حادثة جرت في العام ١٩٨٨ خلال تسلم ميشال عون رئاسة الحكومة الموقتة التي كانت لها مهمة واحدة: التمهيد لإجراء الانتخابات النيابية ولا أي عمل آخر.
في ذلك اليوم المشؤوم قصفت المنطقة الشرقية بما فيها الدورة (خزانات النفط والغاز)، يومها كانت «مانشيت» «الشرق» بالعريض وبالخط الأحمر: «ميشال عون يتسبب بتشرنوبيل الدورة».
اتصل بي الزميل جبران، رحمه الله، مستهجناً ورافضاً المانشيت، وقال لي بالحرف الواحد: كيف وبأي حق كتبت هذا الكلام؟
أجبته: اسمح لي يا صديقي وزميلي جبران… فكما أنا أحترم رأيك وموقفك آمل منك أن تحترم رأيي وموقفي، وأنا على كل حال لا أعلم لماذا أنت مغشوش بميشال عون، ولست أعلم على ماذا تراهن؟ هذا الرجل كلف لترؤس حكومة إجراء الانتخابات، وبسبب الحكومة العسكرية التي شكلها انشق البلد الى حكومتين واحدة موقتة برئاسته، وطبعاً حكومة الرئيس سليم الحص.
في ذلك الوقت، وفي ظل الحكومتين، بدأت «المراسيم الجوّالة»، قلت لجبران: يا زميلي سيأتي اليوم، وهو ليس ببعيد وستغيّر رأيك فيه.
وبما أننا نتحدث عن الرئيس عون لا بد من التذكير ببعض طلاته على الفضائيات التلفزيونية، في إحداها قال: لغاية الآن هناك تعددية أمنية، لا للأحزاب السياسية أن تتعاطى بالشؤون الأمنية، يجب تجريد الجميع من السلاح لمصلحة الدولة، ومثلما هي الحال حالياً لا يمكن أن نكمل.
وحين سُئل ما إذا كان يقصد تجريد حركة «أمل» و«حزب الله» من سلاحهما، أجاب: كل الأحزاب التي لا يزال لديها سلاح وهي معروفة من السلطات اللبنانية، وهذا السلاح يجب أن يعود كله الى الدولة اللبنانية، الفلسطيني ليس في خطر في لبنان، و»حزب الله» الذي حرّر الجنوب لا يستطيع أن يتخذ من مزارع شبعا ذريعة ليحتفظ بالسلاح، ملكية مزارع شبعا موضوع خلاف بيننا وبين سوريا فليرسّموا الحدود من جديد ويعطونا شرف تحرير مزارع شبعا إذا كانت لبنانية، ولكن أن تكون ذريعة للإبقاء على السلاح في حوزة حامليه لتحريرها، فهذا أمر لا نعترف به.
وعمّا سُمّي بـ»وثيقة البريستول» قال: في هذه الوثيقة أشياء أساسية لم تتم معالجتها بعد: مسألة سلاح «حزب الله» ومسألة الإنسحاب السوري الكامل من لبنان، والوجود الفلسطيني المسلح، «حزب الله» لا يزال موجوداً بسلاحه في الجنوب وفي قسم كبير من الضاحية.
وعن وجوب حماية المقاومة حتى تحرير كل الأراضي اللبنانية وعودة جميع الأسرى اللبنانيين أجاب: لا أحد لديه حقوق في لبنان غير اللبنانيين برعاية دولتهم، الحماية تعود للدولة اللبنانية وللشعب اللبناني، وعندما يعود «حزب الله» شريحة من الشعب اللبناني يؤمن الحماية لنفسه، وإذا بقي مسلحاً فلن يستطيع أن يحمي نفسه ولا أن يؤمنها للشعب اللبناني الذي قد يكون معرضاً للخطر معه، فإذاً لا أحد يستطيع أن يحمي أحداً على الأراضي اللبنانية إلاّ الحكومة اللبنانية وحصانة الدولة اللبنانية.
هذا جزء بسيط من ثبات الرئيس ميشال عون في مواقفه السياسية المتغيّرة كما يتغيّر الطقس في الفصول الأربعة وربما أكثر، ولا نريد هنا بالمناسبة أن نقول لجبران: ليتك بقيت بيننا حياً لترى كم كان خيارك خاطئاً.
وأيضاً نقول له رحمه الله: إنك كنت صادقاً لأنك كنت تؤمن بهذه الشعارات، ولكن المشكلة أنّ من أطلقها لم يؤمن بها، والدليل حلفه مع «حزب الله» وذهابه الى دمشق وإلى حلب والتكريم الذي حظي به من الذي قتلك.
عوني الكعكي
‏aounikaaki@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.