لبنان بعد حرب غزّة.. قراءة في علم الوصاية

64

بقلم محمد قواص

«أساس ميديا»

تعود بعض وجهات النظر بالذاكرة إلى حرب تحرير الكويت (1990-1991) حين قرّر الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وضع قواته تحت قيادة التحالف الدولي ضدّ القوات العراقية في عهد الرئيس الراحل صدّام حسين. وحين تمّ للتحالف بقيادة الولايات المتحدة طرد القوات الغازية كافأت واشنطن دمشق في ملفّات عديدة منها وصايتها على شؤون لبنان.

تصادف الأمر مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية إثر اتفاق ساسة البلد وقادته على اتفاق دستوري أُبرم في مدينة الطائف السعودية عام 1989. صادرت مباركة واشنطن لنظام الأسد الأب اتفاق اللبنانيين وغضّت الطرف بعد انتهاء الحرب عن تحويله إلى صفقة خاضعة للتأويل والاجتهاد وفق وجهات النظر الصادرة من دمشق. ولم ينتهِ هذا الفصل الذي نهل أسبابه من “جميل” سياسي أقرّت به واشنطن لدمشق فدفعت أثمانه من سيادة اللبنانيين واستقلال قرار بيروت، إلا بعد انسحاب هذه الوصاية عام 2005 في أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

هل تكافئ واشنطن طهران؟

في لبنان من يتخوّف هذه الأيام من صفقات خلفيّة تتمّ هذه المرّة بين واشنطن وطهران تحت سقف غضب إيران وفصائلها التابعة وتهديدات الولايات المتحدة بعظائم الأمور إذا ما أقدمت إيران على حرب تردّدُ طهران وتكرّر أنّها لن تخوضها. وكما أبرم الطرفان في أيلول الماضي صفقة مفاجئة لتبادل السجناء أتاحت السلطات الأميركية بموجبها انتقال 6 مليارات دولار من ودائع إيران المحتجزة في كوريا الجنوبية إلى حساب بنكيّ لإيران في قطر، فإنّ مكافأة “ضبط الجبهات” والسماح بهمهماتها فقط قد تُعدّه واشنطن “جميلاً” إيرانياً له أثمانه وجوائزه.

ليس في الأمر انزلاق صبياني متعجّل صوب نظرية مؤامرة. فداخل أوساط الحلف الممانع من يمنّي النفس بصفقة سيعتبرونها نصراً مجيداً من دون الدخول في سيناريوهاتها وإخراجها. ويُظهر الحزب تموضعاً جديداً في الداخل اللبناني يوحي بالاستعداد لجني ثمار ما يؤكّد استمرار صلاحيّته وصيّاً على أمر حكم البلد.

في الأيام الأخيرة خرجت من بيئة الحزب أصوات تحذّر وتهوّل من فداحة كثافة حراك طائرات الشحن العسكرية الأميركية من وإلى وعبر مطار حامات في شمال لبنان. بدا وكأنّ هاتفاً أوعز للغاضبين الممتعضين بإثارة الأمر والتعبير عن ضيق وتبرّم. وعلى الرغم من أنّ انخراطاً عسكرياً أميركياً بهذا الحجم المزعوم يفترض أن يلاقي تحرّكا عسكرياً جدّياً مضادّاً للحزب لمواجهة “الشيطان” الذي يعبث في حدائقه، غير أنّ الحزب لم يُظهر قلقاً أو ضيقاً، ولم يكلّف نفسه الزعم أنّه يهدّئ خواطر مناصريه تاركاً للجيش اللبناني أن يوضح لاحقاً ملابسات الأمر. بدا هنا أنّ الحزب يمنّن واشنطن ولسان حاله يقول: “نحن نراكم ونتغافل عنكم”.

لكنّ اللافت أساساً أنّ الحزب والقوات الأميركية يتعايشان بشكل روتيني عاديّ منذ سنوات فوق الأراضي اللبنانية. لا بل إنّه على الرغم من عدائية بيئة المقاومة للولايات المتحدة، لا سيما المحيطة بمطار رياق في البقاع والمراقبة لمطار حامات في الشمال، فإنّه، بقدرة قادر، لم يصدف أن ارتُكب أيّ تجاوز حتى مجهول الهويّة والمصدر ضدّ النشاط الجوّي وحتى البرّي للقوات الأميركية في لبنان. وإذا ما يعرف اللبنانيون حراكاً أميركياً جوّياً دعماً للجيش اللبناني، غير أنّ للولايات المتحدة وجوداً ومهمّات أخرى بعضها داخل مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت الذي تدور شبهة دولية بأنّه تحت أعين الحزب ومن ضمن مناطق نفوذه.

رمز سرّيّ بين واشنطن والحزب

الواضح أنّ حراثة الحزب لحقول مشتركة مع الولايات على ضفاف المفاوضات بين واشنطن وطهران وتفاهماتهما ليست تطوّرا جديداً. فلم يسجّل للحزب في السنوات الأخيرة تورّطه بأيّة هجمات أو حتى تهديدات لمصالح الولايات المتحد في لبنان والمنطقة. والجدير هنا ملاحظة أنّ كلّ الرسائل النارية التي بعثتها إيران إلى المواقع الأميركية في سوريا والعراق قامت بها ميليشيات عراقية وفصائل ولائية في البلدين ولم يسجّل يوماً أنّ الحزب كُلّف بمهمّات من هذا النوع. لا يغيب عن بال واشنطن هذا السياق، وهي التي، في إطار جهودها خلال العقدين الأخيرين ومن خلال مبعوثين متعدّدين لتدبير اتفاق لترسيم الحدود البحرية، لم تصادم الحزب في ميدانه وبيئته السياسية في لبنان. لا بل بقيت على تماسّ معه من خلال صنوف وأنواع من قنوات التواصل، وهي لا شكّ تحفظ له “جميل” إبرام اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي خسر فيه لبنان مساحات بحريّة (1,430 كلم2) ولم يكن بالإمكان تمريره من دون مباركة الحزب ورعايته.

والحال هذه فإنّ زعيم الحزب أعلن في 3 تشرين الأول، وقبل أيام من اندلاع الحرب في غزّة، عن مداولات مقبلة لترسيم الحدود البرّية. وكان مستغرباً أن يثير أمراً يُفترض، ولو صوريّاً، أنّه من اختصاص حكومة البلد، وأن يعلن من دون أيّ سياق أو مناسبة أنّ أمر ترسيم الحدود البرّية “مسؤولية الدولة”. وبدا السؤال منطقياً: إذا كان كذلك فلماذا من بين زعماء أحزاب البلد هو من يثير أمراً كان أساساً خارج اهتمامات الناس ولا يعلمون باحتمالاته؟

تعبير “الأمر مسؤولية الدولة” هو مرادف للتعبير الحقيقي: “الأمر يقرّره الحزب”. وفي هذا التعبير رمز سرّيّ يفهم من خلاله الأميركيون جيداً، بحكم تجربتهم السابقة مع الصفقة البحرية، أنّ الحزب جاهز للتفاوض على صفقة. وعلى هذا تبدو لغة الصفقات قابلة للنقاش في ما يُعدّه الحزب بعد حرب غزّة. ولئن يتمنّى خصوم الحزب في لبنان موقفاً أميركياً ضدّ الحزب متناسل من الموقف من حماس، ويتطلّعون إلى انقلاب في موازين القوى ستفرضه مآلات الحرب، فإنّ إيران واكبت الحرب بحنكة وحذر وبراغماتية من أجل تعظيم حصّتها في ما قد يجري من تحوّلات في المنطقة من دون التورّط بصدام عسكري مباشر. شيء كهذا يسعى الحزب إلى جنيه في لبنان بحيث، فجأة وفي عزّ الرعب من حرب قد تدمّر لبنان، يقرأ المرشّح سليمان فرنجية رواية أجاد قراءتها عدّة مرات حين كانت دمشق تعيّن رؤساء جمهورية لبنان بمباركة كاملة من الإمبريالية في واشنطن وحلفائها من شياطين العالم. وإذا ما استغرب الخصوم بركة واشنطن حينها، فإنّ التخوّف من لاحق يقلّد سابقاً قد لا يكون غريباً في انقلاب المصالح الذي عرفه العالم في سلوك واشنطن وحسابات إداراتها. ومع ذلك تبقى القراءة في علم الوصاية وجهة نظر قد تطيح بها قراءات أخرى في عالم من عبث وجنون.تجدر هنا ملاحظة أنّ واشنطن تثمّن جداً ضبط الحزب لجبهة الجنوب وإبقائها تحت سقف مقبول. ولئن سهلت ملاحظة أنّ إسرائيل هي التي تردّ على الحزب بشكل غير متناسب وتتقصّد إنزال خسائر بشرية في صفوفه، فإنّ واشنطن دفعت على نحو لافت بوزير الدفاع الأميركي للاتصال بنظيره الإسرائيلي لـ “طلب توضيحات بشأن الضربات الجوّية الإسرائيلية في لبنان”، وذلك صيانةً لانضباط جبهة لبنان. فيما كشف موقع أكسيوس الأميركي أنّ “بعض المسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن يشعرون بالقلق من أنّ إسرائيل تحاول استفزاز الحزب”. وفق ذلك بدا أنّ واشنطن تضغط على إسرائيل في شأن يتعلّق بالحزب فيما لم تفعل ذلك أبداً حتى الآن في أيّ شأن يتعلّق بحماس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.