لبنان تحت وطأة أزمة الوباء

38

بقلم ألبير نجيم

ع.م. في الامن العام اللبناني، باحث، حقوقي، ومحلل سياسي–امني

 

كثر هم مصابو وضحايا وباء «كورونا» الذي يضرب في مختلف انحاء الكرة الأرضية، وهؤلاء ليسوا فقط بنو البشر بل أيضا وبشكل نتائجي واساسي، مفاهيم العولمة، والاتحاد بين الدول، من الاتحاد الأوروبي الى غيره، كما أسلوب الأجواء والمياه والمعابر المختلفة المشرعة بشكل لا محدود على قدر كبير من مساحة الكون. واذا كان من المبكر اعتبار كل ذلك في عداد الضحايا فانه من باب الحتمية للأسف ادراجه في خانة الإصابات المتفاوتة الفداحة والأهمية.

ذهب كثيرون من المتتبعين الى الاعتقاد بان العالم بعد التفشي المتمادي لهذا الوباء لن يكون كما قبله، وان هذا الواقع المرتقب سيكون شبيها على صعيد التدابير والإجراءات الوقائية بمرحلة ما بعد احداث 11 أيلول في الولايات المتحدة الأميركية، من حيث الحجم والجدية والصرامة طبعا وليس من الوجهة التقنية، ما سيؤثر على نواح عديدة من العلاقات بين الدول والمجتمعات، سياسيا، اقتصاديا، واجتماعيا.

حال العالم على هذا النحو تحت وطأة «كورونا»، فما بالنا بحال لبنان؟ لبنان المتخبط أصلا بأزمات شتى تكاد تتحول كارثية، وفي مقدمها الورطة المالية والاقتصادية وليدة سنوات الهدر والنهب والفساد وسوء الإدارة وما الى ذلك، فيما لم تسعفه سياسة الحكومة الحالية التي انطلقت بجدية تحت عنوان «مواجهة التحديات» لكنها أظهرت حتى الآن من التخبط حيالها ما لا يشي بحلول قريبة، وان كان من غير المنطقي تحميلها وزر التراكمات، وفي آخر درجات سلم هذه التراكمات مصيبة الوباء.

ما كان ينقص النموذج اللبناني السياسي والاقتصادي المترنح إلا أزمة «كورونا» حتى يدخل مرحلة الحجر والنزاع، اذ فيما ضخ العديد من الدول عشرات مليارات الدولارات في اقتصاده لمواجهة الوباء المتفشي بسرعة فائقة، عجز لبنان حتى عن الإيفاء بالتزاماته المالية الدولية وامتنع عن سداد ديونه للمرة الأولى في تاريخه، بصرف النظر عن مدى صوابية هذه الخطوة ام لا من حيث التوقيت والمضمون.

اجل، لم يكن النموذج اللبناني بأفضل حال عندما انهمرت عليه الأزمات من كل صوب، فهو يعاني منذ سنوات من كل أنواع المصاعب ومن غياب الخطط ومبادرات الإنقاذ، فيما بعض السلطة السياسية يواصل الهدر ورفض اعتماد المبادرات الإنقاذية، خدمة لمصالح متفاوتة.

وسط هذا الجو من التعثر والترنح، اختار البعض من القوى السياسية والحزبية، وربما كان على حق، الانكفاء الى الداخل للاعتناء بشؤون اطاره المناطقي، او بالأحرى بشؤون «رعيته»، تعبئة للفراغ الناجم عن عدم قدرة الدولة من جهة، واثباتا من جهة أخرى لقواعده الشعبية ومحيطها انه حاضر ناضر من اجلها في الصعاب والملمات دحضا لشعار «كلن يعني كلن» الذي ترفعه «الثورة» بوجهه منذ 17 تشرين الأول من العام الفائت.

جاء وليد جنبلاط على سبيل المثال – وهو الذي كانت له قبل ذلك وخلاله جرأة الإقرار بانه جزء من المسار غير المحمود الذي ساد على مدى حوالي ثلاثين سنة – متقدما بأن اطلق عبر حزبه ورشة طوارئ صحية، استشفائية، زراعية، تموينية، في مواجهة موجة الشح والعوز التي راحت تلوح في الأفق بداية، ولاحقا في مواجهة الوباء الزاحف الى كل لبنان. ومن غير المهم في هذا الصدد الحكم على الخلفيات وبواطن الأمور سواء كانت واردة طبقا لتصورات البعض ام لا، بل المهم المبادرات المكلفة بحد ذاتها لتحصين المجتمع، الامر الذي لا بد حياله من دعوة القوى الأخرى الشريكة او المعنية بوضع الجبل الى ملاقاة هذه المبادرة بمفهوم الشراكة والمسؤولية الجامعة.

وفيما بدا الواقع أعلاه فريدا من نوعه في الجبل استرعت الانتباه لاحقا جملة وقائع لافتة كمثل ما أعلنه السيد حسن نصرالله حول كيفية تناول ازمة الوباء سواء لجهة التوجيهات والنصائح ام لجهة الإفصاح عن قدرة وامكانيات حزب الله الكبيرة الموضوعة في سبيل مواجهة هذا الوباء، واستطرادا لجهة وضعه هذه الامكانيات بتصرف الوزارات المعنية عند الطلب.

ولا بد استطرادا من الإشارة الى مبادرات أخرى كتلك التي أطلقت من منطقة بشري مقاربة للازمة تحت ستار الصفة التمثيلية لنائبي المنطقة فيما لا يمكن لهذه الصفة ان تختزل المحيا الحزبي السائد فيها، وفي حين يطالب البعض من قواعد القوات اللبنانية نفسها بضرورة الالتفات أيضا الى مناطق أخرى.

وحده ربما التيار الوطني الحر حاول ان يبدو اكثر شمولية في التعاطي مع ازمة الوباء عبر خطة اطلقها ويبقى الحكم عليها مرهونا بالنتائج.

ليس العرض أعلاه من باب المدح او الانتقاد بل هو مجرد سرد موضوعي وصولا الى طرح السؤال التالي: هل ان لبنان ما بعد «كورونا» ووسط ازمة المال والاقتصاد لن يكون أيضا كما قبله؟ وهل سيؤسس واقع الحال الملزم والمبرر أحيانا كثيرة الى نزعة أكثر استقلالية عن الدولة في تدبر أمور المكونات اللبنانية؟

رأيت في مقال سابق ان استمرارنا منذ إقرار «وثيقة الوفاق الوطني» في التفرج على ما جاء فيها لناحية «الانماء المتوازن» هو من جملة ما أسس للانتفاضة الشعبية خاصة على مستوى بعض المناطق النائية ذات الثقل الشعبي. وأرى الآن في محاولة الإجابة على السؤال أعلاه ان هذا المضمون ليس الوحيد الذي نواصل التفرج عليه، فأين نحن عمليا من موضوع «اللامركزية الإدارية الموسعة» الذي نصت عليه الوثيقة نفسها والذي لا يحتاج الى كثير عناء لوضعه موضع التنفيذ الفعلي لا النظري؟ خاصة وان من شأنه تخفيف الأعباء عن السلطة المركزية وليس العكس.

لا أستسيغ عادة الاستشهاد بآراء «مثيرة» تجنبا للدخول في متاهات ردود الفعل المبنية على الشخصانية، لكن اكثر ما استرعى انتباهي في بعض مضمونه مقال نشر مؤخرا لاحد الوزراء السابقين جاء فيه: «اذا تعمقنا في أسباب فشل الدولة نجد ان السلطة، طوال العهود والحكومات المختلفة، سعت الى ان تحكم مركزيا مجتمعا فدراليا بتكوينه، فنشأ الصراع بين الدولة والمكونات ونبتت الدويلات المعلنة منها والمضمرة. ليس الرهان اليوم الذهاب الى الفدرالية، بل العودة منها…» – جريدة النهار بتاريخ 12 آذار 2020

من هنا فان الحل هو تحديدا في الدستور تطبيقا لا قولا ما يريح الجميع ويكفل بقاء السقف والهيكل…

الدعوة ملحة لتضافر جهود كل المكونات الحزبية، السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، المالية، الإعلامية وغيرها، لمواجهة ما يعتري لبنان راهنا كما لم يعتره منذ زمن، وذلك بعيدا ما أمكن عن الانانية والمناطقية والطائفية والمذهبية … وفي موازاة الاهتمام الضيق والمحق بشؤون «الأقربين»، بغية العبور بسلام الى الضفة الأخرى الآمنة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.