لقاء أردوغان وعون: آفاق التعاون الإقليمي وتحديات السيادة / 1

27

المحامي أسامة العرب
في لحظة إقليمية تتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وتبدّل موازين القوى في الشرق الأوسط، اكتسب اللقاء الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرئيس اللبناني جوزيف عون في العاصمة التركية أنقرة، أهمية استثنائية تتجاوز في أبعادها الإطار البروتوكولي المعتاد للزيارات الرئاسية. فالزيارة الأولى التي يقوم بها الرئيس اللبناني إلى تركيا منذ توليه سدة الرئاسة عام 2025 لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد محطة دبلوماسية في سياق العلاقات الثنائية، بل تشكل حدثًا سياسيًا يعكس إعادة تموضع إقليمي تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية، في وقت يواجه فيه لبنان تحديات وجودية تتعلق بمستقبل الدولة ومفهوم السيادة وقدرتها على استعادة دورها ووظائفها الأساسية.
لقد جاء هذا اللقاء في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتسم باستمرار تداعيات الحرب في غزة، والتوترات المتصاعدة على الحدود اللبنانية الجنوبية، والتحولات الجارية في العلاقات السورية العربية، فضلاً عن التنافس المتجدد بين القوى الإقليمية على رسم معالم النظام الإقليمي الجديد. ومن هنا، فإن قراءة مضامين اللقاء تقتضي تجاوز ظاهر التصريحات الرسمية إلى تحليل الرسائل السياسية الكامنة خلفها، واستشراف ما يمكن أن تؤسس له هذه الزيارة من مسارات جديدة في العلاقات التركية–اللبنانية.
أولاً: البعد الاستراتيجي للزيارة وأهميتها السياسية
يُنظر إلى تركيا اليوم باعتبارها واحدة من أبرز القوى الإقليمية المؤثرة في الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط. وقد استطاعت خلال العقدين الماضيين أن تنتقل من موقع الدولة المنخرطة في محيطها الإقليمي إلى موقع الفاعل المؤثر في العديد من الملفات الاستراتيجية، سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا أو القوقاز أو البحر الأسود. وفي المقابل، يعيش لبنان واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه الحديث، حيث تتقاطع أزماته الاقتصادية والمالية والسياسية مع تحديات أمنية وعسكرية متزايدة، الأمر الذي يجعل من أي انفتاح خارجي فرصة لإعادة بناء شبكة الدعم الدولي والإقليمي للدولة اللبنانية.
في هذا السياق، تبرز زيارة الرئيس جوزيف عون إلى أنقرة باعتبارها مؤشرًا على رغبة لبنانية في تنويع الشراكات الخارجية والانفتاح على قوى إقليمية قادرة على لعب دور داعم لاستقرار لبنان. كما تعكس الزيارة إدراكًا متزايدًا لدى النخبة السياسية اللبنانية بأن المرحلة المقبلة ستتطلب إعادة صياغة العلاقات الخارجية للبنان وفق معايير المصالح الوطنية ومتطلبات الأمن القومي والتنمية الاقتصادية.
أما من الجانب التركي، فإن استقبال الرئيس اللبناني بهذا المستوى من الحفاوة السياسية يعكس اهتمام أنقرة المتزايد بالساحة اللبنانية، ليس فقط انطلاقًا من اعتبارات العلاقات الثنائية، بل أيضًا من رؤية أوسع تتعلق بدورها الإقليمي ومساعيها لتعزيز حضورها في شرق المتوسط والمشرق العربي.
ثانياً: دعم الجيش اللبناني بين مقتضيات الأمن ومتطلبات السيادة
من أبرز ما ورد في التصريحات الصادرة عقب اللقاء تأكيد الرئيس أردوغان استمرار دعم بلاده للقوات المسلحة اللبنانية دون انقطاع. ولا يمكن النظر إلى هذا التصريح بمعزل عن الأهمية المركزية التي يحتلها الجيش اللبناني في معادلة الاستقرار الوطني.
فالجيش اللبناني يمثل المؤسسة الوطنية الجامعة التي حافظت، رغم الأزمات والانقسامات السياسية، على درجة عالية من التماسك والشرعية الشعبية. ومن هذا المنطلق، فإن أي دعم دولي أو إقليمي لهذه المؤسسة لا يُنظر إليه فقط باعتباره مساعدة عسكرية، بل باعتباره استثمارًا في استقرار الدولة اللبنانية نفسها.
ويكتسب الدعم التركي أهمية إضافية في ظل التحديات المتعددة التي يواجهها الجيش اللبناني، بدءًا من ضبط الحدود ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، مرورًا بالحفاظ على الأمن الداخلي، وصولًا إلى مواجهة التداعيات الأمنية للنزاعات الإقليمية. كما أن برامج التدريب والتأهيل والتعاون العسكري تسهم في تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية وتطوير جاهزيتها المهنية والتقنية.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذا الدعم تكمن في ارتباطه بمفهوم السيادة. فالدولة الحديثة لا يمكنها ممارسة سيادتها الفعلية ما لم تحتكر أدوات القوة الشرعية وتمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على فرض القانون وحماية الحدود. ومن هنا، فإن دعم الجيش اللبناني يمثل في جوهره دعمًا لفكرة الدولة اللبنانية نفسها، ولمشروع استعادة القرار الوطني المستقل.
ثالثاً: السيادة اللبنانية بين الخطاب السياسي والواقع الجيوسياسي
لعل أكثر ما استرعى الانتباه في تصريحات الرئيس جوزيف عون تأكيده أن لبنان أصبح أكثر تصميمًا على استعادة سيادته. وهذه العبارة تختزل إشكالية تاريخية رافقت الدولة اللبنانية منذ عقود، حيث ظل مفهوم السيادة محل اختبار دائم بفعل التدخلات الخارجية والتجاذبات الإقليمية والانقسامات الداخلية.
فالسيادة، وفق المفهوم الدستوري والقانوني، لا تقتصر على الاعتراف الدولي بالدولة أو بحدودها الجغرافية، بل تتجسد في قدرة السلطة الشرعية على ممارسة اختصاصاتها بحرية واستقلالية على كامل أراضيها. ومن هذا المنظور، فإن استعادة السيادة اللبنانية تعني إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سلطتها، وتحصين القرار الوطني من الضغوط الخارجية، وتوفير مقومات الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني.
لكن التحدي الأكبر يكمن في أن لبنان يقع في قلب منطقة تتصارع فيها مشاريع إقليمية ودولية متشابكة. ولذلك فإن استعادة السيادة لا يمكن أن تتحقق عبر الشعارات أو الخطابات السياسية وحدها، وإنما تحتاج إلى مشروع وطني شامل يقوم على تعزيز المؤسسات، وإصلاح الاقتصاد، وترسيخ دولة القانون، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
رابعاً: تركيا واليونيفيل… حضور أمني ورسائل سياسية
يكتسب الدور التركي في إطار قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أهمية خاصة في فهم طبيعة العلاقة بين أنقرة وبيروت. فمشاركة تركيا في هذه القوات لا تعكس فقط التزامها بقرارات الشرعية الدولية، بل تؤكد أيضًا رغبتها في المساهمة الفعلية في استقرار لبنان وجنوبه.
ومن الناحية السياسية، فإن إشارة الرئيس أردوغان إلى استعداد بلاده للمشاركة في أي ترتيبات أو قوات تهدف إلى ضمان استقرار المنطقة تحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري المباشر. فهي تعكس رغبة تركية في تعزيز حضورها في ملفات الأمن الإقليمي، وتؤكد أن أنقرة تسعى إلى لعب دور أكثر تأثيرًا في معالجة أزمات الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، ينظر لبنان بإيجابية إلى هذا الدور، باعتباره يوفر عنصر دعم إضافي للاستقرار في ظل التحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة. غير أن نجاح أي مساهمة خارجية يبقى مرهونًا باحترام السيادة اللبنانية والعمل ضمن الأطر القانونية والدولية المعترف بها.
خامساً: الموقف من إسرائيل وتداعيات الصراع الإقليمي
لم يكن مستغربًا أن يحتل الملف الإسرائيلي مساحة مهمة في مباحثات أنقرة. فتركيا تبنت خلال السنوات الأخيرة خطابًا حادًا تجاه السياسات الإسرائيلية، خصوصًا فيما يتعلق بالحرب على غزة والعمليات العسكرية في الأراضي الفلسطينية واللبنانية.
إن توصيف القيادة التركية لما يجري بأنه يرقى إلى مستوى جرائم الحرب يعكس موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا يتقاطع مع الموقف اللبناني الرسمي، ويعزز من مساحة التفاهم بين البلدين في هذا الملف. كما أن هذا الموقف يمنح العلاقات الثنائية بعدًا سياسيًا يتجاوز الجوانب الاقتصادية أو الأمنية.
يتبع غداً
المحامي أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.