لماذا صعّدت الجزائر مع الإمارات الآن؟

12

بقلم نديم قطيش
قطع الجزائر لعلاقاته بالإمارات التي امتدّت لخمسين عاماً هو قرار سيادي كبير، لكنه يثير سؤالاً أبسط من كل الضجيج المحيط به: هل تبرر الوقائع المعلنة في البيان الجزائري فعلاً إجراءً دبلوماسياً بهذا الحجم؟
حقيقة الأمر ان التصعيد مع أبوظبي يتيح استعراضاً سيادياً جزائرياً مرتفع النبرة ومنخفض الكلفة. ثمة خلافات حقيقية بين البلدين، لكن اختيار الأداة القصوى لإدارة هذه الخلافات هو تعبير عن ضرورات وحاجات جزائرية لا علاقة للإمارات بها.
للإمارات حضور واسع في أفريقيا، ونفوذ سياسي وأمني واقتصادي متزايد. لها أدوار في ليبيا، وفي الساحل، وفي القرن الأفريقي، ومواقف وتحالفات قد تتعارض مباشرة مع حسابات الجزائر. هذا كله قابل للنقاش والنقد.
لكن أفريقيا لا تُدار من أبوظبي.
في ليبيا تتزاحم تركيا وروسيا ومصر وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، إلى جانب قوى ليبية تحمل مشاريعها وحروبها الخاصة. وفي الساحل تتداخل روسيا وتركيا وفرنسا والولايات المتحدة وشبكات السلاح والذهب والجماعات المسلحة والأنظمة العسكرية، فضلاً عن صراعات محلية عمرها عقود.
اختزال هذا المشهد الهائل في «دور إماراتي» يحوّل التحليل الجيوسياسي إلى نص إنشائي بليد عن لاعب خارجي واحد يفسر كل ما يعجز النظام الإقليمي عن تفسيره.
حتى ملف «الماك»، وهو أخطر الاتهامات المتداولة، يحتاج إلى أكثر من روايات إعلامية كي يتحول إلى أساس لقرار بحجم القطيعة.
أما الحديث عن إسرائيل، فيشرح المزاج أكثر مما يشرح حيثيات القرار. الجزائر أبقت علاقاتها مع دول مطبّعة منذ عقود، ومع دول أكثر التصاقاً بإسرائيل من الإمارات.
العقدة الأعمق قد تبدو في مكان آخر: المغرب.
الجزائر تنظر إلى تحالفات الرباط، وملف الصحراء المغربية، والحضور الإماراتي هناك، باعتبارها جزءاً من إعادة تشكيل ميزان القوة في المغرب العربي.
لكن هذه قراءة تنطوي على مبالغات لا حدود لها. فالتنافس الجزائري–المغربي حول الصحراء سابق بكثير على الدور الإماراتي الحالي، وهو من أقدم ملفات الصراع على النفوذ والحدود والهوية في المغرب العربي.
ثم إن أبوظبي لا تتفرد عربياً في هذا الملف. دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها المملكة العربية السعودية، تبنّت جماعياً موقفاً داعماً لسيادة المغرب على الصحراء ووحدة أراضيه. وبالتالي فإن تقديم الموقف الإماراتي كاستثناء عدائي خاص بالجزائر يتجاهل وجود اصطفاف عربي أوسع إلى جانب الرباط.
وعليه من الصعب إقناع أحد بأن هذه الخصومة التاريخية هي صناعة اماراتية، دعك عن ان تحويل أبوظبي إلى مفتاح يفسر اضطراب الساحل، وحرب ليبيا، والمغرب، وإسرائيل، والحركات الانفصالية دفعة واحدة، يختزل التحليل الجزائري إلى سردية تبسيطية وسطحية لا تليق بدولة بحجم الجزائر.
للجزائر كامل الحق في أن تختلف مع الإمارات وأن تصعّد معها. لكن حجم القرار ما زال أكبر بكثير من حجم الوقائع التي عُرضت لتبريره.
وهنا يصبح سؤال الكلفة مشروعاً. فالجزائر تدير خلافاتها مع فرنسا، رغم ثقل التاريخ وتشابك المصالح، بدرجات محسوبة من التصعيد والتهدئة. كما أن الاشتباك المفتوح مع السعودية أو الولايات المتحدة يرتب أثماناً سياسية واقتصادية وإقليمية أعلى بكثير.
أما الإمارات فتتيح معادلة مريحة:
خصومة يمكن تضخيمها، وملفات عديدة يمكن جمعها تحت عنوان واحد، وكلفة يَسهُل تصور احتوائها، لا سيما متى احتاجت الدولة إلى هذه الخصومة الخارجية لإعادة ترتيب النقاش الداخلي حول السيادة والتهديد، بدل مؤشرات الأداء والإنجاز.
فرغم مؤشرات النمو الظاهرية، (3.8% لعام 2026) إلا أن القراءة العميقة للأرقام تكشف عن خلل بنيوي يمسّ جوهر المناعة السيادية للجزائر.
فالاقتصاد لا يزال رهين التبعية المطلقة للمحروقات التي تمول موازنة هي الأضخم بعجز غير مسبوق، وبالتزامن مع تآكل متسارع في احتياطيات النقد الأجنبي إلى 40 مليار دولار، على ما حذر صندوق النقد.
هذا التراجع المالي يضع “الدولة الاجتماعية” ونموذج دعم الأسعار الضخم تحت ضغط حقيقي يهدد الاستقرار المجتمعي على المدى المتوسط، في وقت تتأزم فيه الجبهة الخارجية بفعل التوترات الإقليمية، مما يثبت أن المناعة الشاملة للبلاد تواجه اختباراً هيكلياً يتجاوز مجرد نسب النمو الاقتصادي المعلنة.
فهل كشفت الجزائر عن تهديد استثنائي يبرر قطيعة استثنائية، أم اختارت خصماً يتيح لها أكبر قدر من استعراض الحزم والسيادة بأقل قدر من الكلفة؟
حتى الآن، يبدو القرار أكبر من ملف الاتهام.
نديم قطيش

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.