ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟

28

بقلم د. يوسف العميري
صباح الورد من بيروت، المدينة التي تجيد النهوض من تحت الركام، وتعرف كيف تخفي جراحها خلف شرفات تطل على البحر. من هنا، من بلد جميل حد الوجع، نكتب عن لبنان.. لا بوصفه ساحة صراع، بل وطنا يستنزف كلما اقترب من التقاط أنفاسه.
صباح الورد من بيروت، لأنني أكتب لكم الآن من هنا.. من أرض السحر والجمال رغم كل شيء، ولكن..
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو، ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟
سؤال بسيط في صياغته، معقد في جوهره، لأن الإجابة لا تتعلق بحدود فقط، بل بتاريخ طويل من محاولات كسر الإرادة، وإبقاء هذا البلد المسالم في دائرة القلق الدائم.
لبنان اليوم يحاول، للمرة الألف ربما، أن يخرج من عنق الزجاجة. اقتصاد منهك، عملة فقدت قيمتها، مؤسسات تتعافى ببطء، وناس يعيشون على أمل أصبح ترفا. ومع ذلك، ثمة جهد واضح تبذله الدولة، بكل ما تملك من أدوات محدودة، لإعادة ترتيب البيت الداخلي. رئيس الجمهورية جوزيف عون يعمل بكل طاقته لتثبيت الاستقرار، وإرساء مناخ سلام يسمح بالالتفات إلى التنمية بدل إدارة الأزمات. ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بخبرته الطويلة، يحاول أن يمسك بخيوط التوازن الدقيق في بلد لا يعيش إلا على التوازنات. ورئيس الحكومة نواف سلام يقود مسارا شاقا لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة، وللاقتصاد، وللعلاقة مع العالم.
ثلاثة رؤساء، ثلاثة مسارات، وجهد واحد.. إنقاذ لبنان من السقوط النهائي.
لكن المشكلة أن كل محاولة للإنقاذ تصطدم بجدار خارجي لا يريد للبنان أن يستقر. كلما اقتربت الحكومة اللبنانية من حل، من تسوية، من نافذة أمل، تسارع إسرائيل إلى تدميرها. عدوان يومي على جنوب لبنان، قصف متكرر، توتر دائم، ورسالة واحدة واضحة: لا سلام، ولا استقرار، ولا فرصة لهذا البلد أن يلتقط أنفاسه.
إسرائيل لا تنظر إلى لبنان كدولة ذات سيادة، بل كخاصرة رخوة يجب أن تبقى مشتعلة. تريد جنوبا قلقا، وحدودا ملتهبة، واقتصادا عاجزا عن النهوض. تريد لبنان مشغولا بأمنه، لا بتنميته، منشغلا بإعادة الإعمار، لا ببناء المستقبل. فلبنان المستقر خطر عليها، ليس عسكريا فقط، بل سياسيا ومعنويا.. نموذج لدولة عربية قادرة على الصمود رغم كل شيء.
العدوان على الجنوب ليس تفصيلا عسكريا، بل سياسة ممنهجة. تدمير القرى وتهجير الأهالي وضرب البنية التحتية، كل ذلك يحدث في اللحظة التي يحتاج فيها لبنان إلى الهدوء ليستعيد اقتصاده ويقنع المستثمرين، ويعيد الثقة بنفسه وبمؤسساته. كأن هناك من يقول بوضوح: لن نسمح لكم بالشفاء .
ورغم ذلك، يبقى لبنان واقفا، بلد اعتاد الحياة على الحافة، لكنه لم يتخل يوما عن حقه في الحلم، بيروت التي دمرت أكثر من مرة.. عادت. الجنوب الذي اعتدي عليه مرارا، صمد. والناس رغم التعب ما زالوا يؤمنون بأن هذا الوطن يستحق فرصة.
ما يريده اللبنانيون بسيط جدا: أمن.. سلام.. اقتصاد يعمل.. ودولة تحميهم بدل أن تحصي خسائرهم. لا يريدون أن يكونوا وقودا لصراعات إقليمية، ولا ورقة ضغط في مفاوضات الآخرين. يريدون فقط أن يعيشوا.
إسرائيل في المقابل تريد لبنان ضعيفا منقسما قلقا. لأن لبنان القوي المتماسك المتصالح مع نفسه يربك حساباتها، ويكسر معادلة التفوق الدائم.
من بيروت نقول هذا البلد الجميل يستحق أن يترك وشأنه، يستحق أن تمنح له فرصة حقيقية للسلام والتنمية. يستحق أن يتوقف العالم عن النظر إليه كخبر عاجل، ويبدأ برؤيته كحياة كاملة، مليئة بالثقافة والإنسان والأمل.
صباح الورد من بيروت.. رغم كل شيء.
د. يوسف العميري

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.