ماذا يجري في العالم العربي؟ ولماذا لا تكون ليبيا كدول الخليج (4)؟

53

كتب عوني الكعكي:

لليبيا مكانة كبيرة عندي، وهي بلد عزيز جداً على قلبي. وما جرى ويجري في ليبيا تدمى له القلوب، وتدمع له العين، لأن الأزمة الليبية هي صراع دائر بين منظمات متناحرة، تسعى للسيطرة عليها.

وعلى ما يبدو فإن الوضع في هذا البلد الذي توازي مساحته، 1.800.000 كلم2 أما عدد سكانه فلا يزيد على الستة ملايين. فيسير نحو مزيد من التعقيد، جراء حرب أهلية دامية، بين حكومة الوفاق الوطني غربا، وقوات المشير خليفة حفتر في الشرق.

ويقول متابعون لما يجري في ليبيا، ان حكومة السراج، تعمل بما يرضي أنقرة التي تسعى للسيطرة على موارد هذا البلد. كما ساهمت العديد من القوى الأجنبية كفرنسا وروسيا وتركيا وقطر وغيرها، في تدهور الوضع هناك. ولا يمكن أن ينكر أحد، ان المتصارعين الداخليين يعملون بوحي ودعم متزايد من القوى الأجنبية المتعددة.

كما تعتبر الفوضى التي غرقت فيها ليبيا، تبريرا لهذه التدخلات الخارجية المختلفة، كما يُنْظر إليها كنتيجة لفشل سياسي في مواجهة العنف وتفتيت البلاد، كما يأتي انسداد الطريق أمام المبادرات السياسية في سبيل ضمان انتقال سلمي وتوافقي، إضافة الى الخلاف الدائم بين المنظمات، ليؤكد هذا الفشل.

وهنا أتساءل: كيف يمكن لهذه الدولة الغنية بكل شيء، أن تصل الى هذا المستوى من التراجع… سيما وأن مواردها لو أتيح استغلالها، لباتت من أكثر الدول غنى وتقدما وتطوراً:

أولاً: النفط

يعتبر النفط الليبي، الأفضل نوعية في العالم، كما تُعْتَبر كُلْفة استخراج البرميل من هذا النفط أرخص من كلفة البرميل الذي يُستخرج في أية دولة من دول العالم.

ثانيا: الموقع الجغرافي

يعتبر موقع ليبيا استراتيجيا بكل ما للكلمة من معنى، فهي تقع قبالة شواطىء فرنسا وإيطاليا… ما يشكّل عاملاً مساعدا جدا، لبيع النفط الليبي لأوروبا بأرخص من أي نفط يُصَدّر إليها من الدول الأخرى…

هذا النفط، ومن موقع ليبيا الاستراتيجي يتّصِفُ بميزات ثلاث:

أ – كلفة الاستخراج، وكلفة النقل، وكلفة المواصلات ترجح كفة تفضيل النفط الليبي على غيره.

ثالثا: موضوع الحمضيات والزيتون

من المعروف ان الشاطىء الليبي الذي يمتد مسافة 2200 كلم، يحوي، ومنذ أيام الإيطاليين 2200 مزرعة، كل واحدة منها تحتوي على كميات كبيرة من أشجار الزيتون والحمضيات. ويُقال إن أوروبا كلها، كان تعتمد على هذه الثروة، إضافة الى الثروة النفطية التي تحدثنا عنها. لكن وللأسف الشديد، لم تخضع هذه الثروات، لدراسات علمية، تنظّمها وتزيدها تقدما وازدهارا، بل كان الاهتمام منصبا على شراء الأسلحة، وإهمال تلك الثروات. ومن أسف أيضا التذكير، ان الطائرات الحربية الليبية، كان يقودها سوريون لعدم وجود ليبيين متمرّسين على قيادتها، يتقنون التحكم بها.

واللافت أيضا، أننا حين كنا نشارك في احتفالات الفاتح من أيلول، كنا نشاهد ترسانة كبيرة من الأسلحة المخزّنة في عنابر المرفأ، لا يستخدمها أحد.

مشكلة معمّر القذافي، بدأت حين وجّه إليه القائد الخالد جمال عبد الناصر كلاما قال فيه: «أرى فيك شبابي يا معمّر». هذا القول على ما يبدو، فعل فعله في «رأس» القذافي وظنّ نفسه مرشحا ليكون خليفة الرئيس الخالد جمال عبد الناصر.

في عهد القذافي، عاشت ليبيا أسوأ أيامها وكنت ألاحظ هذا الأمر، خلال زياراتي المتكررة إليها. فليبيا هي البلد شبه الوحيد، الذي إنْ تركته يوما، وعدتَ إليه، فإنك لن تجد فيه تبديلاً او تغييراً، لا في شوارعه ولا في أبنيته، ولا في مقاهيه ولا حتى في بُنَاه التحتية.

وأتذكر هنا «تاجر لحوم»، يعيش في فندق الشاطىء، وهو واحد من أهم الفنادق الليبية. كنت أراه دائما غضبان… سألته يوما عن سبب هذا الغضب الدائم فقال: إنه تاجر يأتي باللحوم من الأرجنتين، وهي من أفضل الأنواع. في المرة الأولى دفعوا له ثمن «الكونتينر»، وفي المرة الثانية، دفعوا له ثمن البضاعة، وفي الثالثة سددوا قيمة البضاعة أيضا… لكنه في المرة الرابعة بدا متغيّر الأحوال، وبدا التقصير في عمله، وبات صاحبنا في حال يُرْثى لها، لأنه صار بحاجة الى أموال طائلة ليسدد ما عليه، ويستعيد أمواله… ولا أنسى ما قاله لي بعد هذا اللقاء، يوم التقينا: هل تعرف ان الدنيا لها «…» وهل تعلم أين هي «…» الدنيا. هنا ضحكت، لكنه تابع بقوله: طرابلس هي «… الدنيا».

أعتذر من القراء لذكر هذه الحادثة، وأعود لأقول: ماذا يمنع أن تكون ليبيا مثل الكويت او الإمارات او قطر او البحرين او أبو ظبي؟

كما أتذكر تلك الأيام الجميلة، يوم كانت تدور مفاوضات حول اتفاق »كامب ديفيد«… إذ كانت هناك وجهتا نظر يومذاك، فالرئيس انور السادات تبنّى الاتفاق، بحجة أنه يريد إنقاذ مصر، في حين رفض الرئيس السوري حافظ الأسد الاتفاق جملة وتفصيلا. لكن كامب ديفيد كان أسرع من الجميع، وتمّ تمريره. عندها انتقلت مصر العربية من حالة حروب وعداء مع اسرائيل الى حالة اتفاق سلام، قيل انه مكسب من مكاسب كامب ديفيد.

في ذلك الوقت أجريْتُ لقاء بوزير خارجية مصرفي ذلك الوقت الأستاذ اسماعيل فهمي، الذي كان يرفض كامب ديفيد… وللتاريخ… سألته عن رأيه في الحل، فقال: بصراحة لا أرى إلا حلاً واحدا… هو الوحدة بين مصر وليبيا والسودان…

فاليد العاملة مصرية إذ يبلغ عدد سكان مصر 110 ملايين مواطن، والأراضي سودانية… إذ بإمكان السودان إطعام العالم بأسره.. وستكون في هذا البلد قوة بشرية زراعية وصناعية، وسيكون المال الليبي دعما لهاتين القوتين.

رحم الله اسماعيل فهمي… هذه رؤيته، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

ان ليبيا ليست ذات كثافة سكانية، ومداخيلها كثيرة وكبيرة، ومواردها متعددة ومتنوعة… فلو نظرنا الى جامعاتها ومستشفياتها تتصور نفسك في لوس انجلوس، لكنك تشهد تراجعاً لافتاً، في حين ان الدول الخليجية الأخرى مليئة بالتطور والتقدم…

الجواب بسيط، هو أن القذافي، لو كان يُحِبّ وطنه ويحبّ شعبه، حبّاً حقيقيا لما آلت الأمور في ليبيا الى ما آلت إليه اليوم.

أكتفي بهذه المقارنة.. كي أقول ان هناك حكّاما يرفعون أوطانهم وشعوبهم الى أعلى الدرجات الحضارية، وان هناك حكاما آخرين، في المقابل لا يهمهم إلا تحقيق الملذات، وجمع الثروات، والوصول الى نزواتهم وأهوائهم، ولو على جثث المواطنين.

aounikaaki@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.