مصر… مصر.. مهما طال الزمن

48

منذ بداية الثورة الأهلية في ليبيا عام ٢٠١٤… وتأزم الوضع بين منظمات متناحرة تسعى للسيطرة على البلاد، بعد إسقاط نظام معمّر القذافي عام ٢٠١١، كتبنا في هذه الزاوية ثلاثة مقالات، نناشد من خلالها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي التدخل عسكرياً للقضاء على المجموعات الارهابية، وتسليم الجيش الليبي مقاليد الأمور ومسؤولية الأمن، وإجراء انتخابات تشريعية، تعيد الى الدولة وحدتها واستقرارها وأمنها.

كتبنا هذا الكلام، إنطلاقاً من معرفتنا الأكيدة، أنّ مصر لا تستطيع أن تترك في خاصرتها خنجراً يهدّدها، علماً بأنّ الحدود البرية بين ليبيا ومصر تمتد بطول ١٠٤٩ كلم وباستقامة كاملة جنوباً حتى نقطة الحدود الثلاثية لمسافة ٨٠٤ كلم.

ونتذكر في هذا المجال الشاطئ الليبي الذي يمتد لمسافة ٢٢٠٠ كلم، هذا الشاطئ كان أيام «الطليان» يضم مزارع حمضيات وزيتون تكفي أوروبا كلها، وظلت المزارع سيدة الاقتصاد الليبي حتى اكتشاف النفط الذي حلّ بديلاً، لا سيما أنه يعتبر من أهم أنواع النفط في العالم، وأفضلها جودة، ولا يكلّف استخراجه إلاّ القليل من المال. فراحت ليبيا تصدّر النفط الى أوروبا وغيرها بأسعار جدّ معقولة لسهولة المواصلات معها.

نعود الى الواقع العربي، في هذه الأيام الصعبة.. للأسف الشديد يعيش عالمنا العربي احتلالين إثنين:

– الاحتلال الأول تركي يتمثل بجنود أردوغان وعقيدة الإخوان المسلمين وحلم استعادة إنشاء الامبراطورية العثمانية…

ولتحقيق الحلم العثماني نذكّر بأنّ الجنود الاتراك دخلوا شمال سوريا… ودخلوا العراق… وقديماً دخلوا قبرص وهم باقون فيها منذ ذلك الوقت، وحاولوا العبور الى مصر عبر الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان، لكن الشعب المصري أبطل مؤامرتهم ودحرهم من خلال تسلم السيسي مقاليد الحكم.

أضف الى ذلك أنّ أردوغان هو حليف لقطر، قطر التي قدمت ما يربو على ١٨ مليون دولار دعماً للعملة التركية…

أردوغان الذي يحاول الدخول الى ليبيا عبر تجنيد سوريين، وإقامة قواعد بحرية وجوية، ودعم حكومة الوفاق ورئيسها فائز مصطفى السراج، الذي تسلم رئاسة المجلس الرئاسي في ليبيا في ٨ تشرين الاول عام ٢٠١٥، وهو كان عضو مجلس النواب عن دائرة حي الأندلس – طرابلس، إشارة الى أنّ أسرة السراج ذات أصول تركية.

– الاحتلال الثاني إيراني… فمنذ دخول الجيش الاميركي العراق في ٢٠ آذار من العام ٢٠٠٣ عبر قوات الإئتلاف التي اطلق عليها الاميركيون اسم «إئتلاف الراعنين»، وبعد مدة سلّمت العراق لقمة سائغة لإيران… فكان قاسم سليماني قبل مقتله يصرف الأموال الطائلة على الارهابيين ومنظماتهم في لبنان وسوريا والعراق والكويت واليمن، حتى وصلت مآثره الى بلغاريا وڤنزويلا.

أمام هذا الواقع… فإنّ مصر اليوم، وهي أكبر دولة عربية، يزيد سكانها على المائة مليون، وتضم جيشاً قوياً هو من أهم الجيوش في المنطقة، باتت تحت قيادة رجل كبير وقائد عسكري وزعيم عربي مرموق، مضطرة للقيام بعمل سريع للحفاظ على أمنها واستقرارها بعد ما حققه الرئيس السيسي من إنجازات أهمها:

– الكهرباء من خلال بناء ثلاث محطات، تعطي كل واحدة ٥ آلاف ميغاواط، بأرخص الأسعار، إشارة الى ان إقامة هذه المحطات لم تستغرق أكثر من اثني عشر شهراً لتنتج طاقة كهربائية بأفضل الأسعار وبأقل وقت ممكن.

– العشوائيات: والمنطقة العشوائية هي منطقة سكنية غير منظمة، بنيت في الغالب بدون ترخيص، وهي تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة،  والحكومة المصرية في عهد الرئيس السيسي تواصل العمل على تنفيذ خطة تطوير هذه المناطق العشوائية، فإلى جانب إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة، أو إسكان إجتماعي أو مدن جديدة، تعمل الحكومة المصرية على تطوير المساكن القائمة وهي تأمل بالقضاء على العشوائيات بحلول عام ٢٠٣٠.

– استطاع الرئيس السيسي إيجاد توازن بين الإنفاق والمدخول، وأوقف تدهور العملة المصرية، فصار صافي الاحتياطات الدولية لمصر بنهاية شهر كانون الاول الفائت ٦٥ مليون دولار، كما ان الاحتياطي النقدي لمصر ارتفع الى ٤٥.٤١٩ مليار دولار مقابل ٤٥.٣٥٤ مليار دولار بنهاية تشرين الثاني عام ٢٠١٩.

– قناة السويس الثانية التي بنيت بمال مصري وعمّال مصريين بأسرع وقت، فزاد الدخل ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل إنشائها…

– العاصمة الإدارية وهي الأهم، وتتجسّد في نقل الدوائر الحكومية الى مدينة جديدة تضم كل الدوائر الحكومية هرباً من اكتظاظ السكان في القاهرة حيث لم يعد هناك مكان لسكن أو مأوى، إذ تتصدّر محافظة القاهرة توزيع السكان بعدد نحو ٩ ملايين إضافة الى ٩ ملايين في محافظ الجيزة.

وبعد هذا كله نجد أنّ مصر محاطة بخطرين داهمين شديدين:

١- خطر وجود الارهابيين في سيناء، مع وجود إسلاميين في قطاع غزة المجاور… هذا الخطر الارهابي يهدد استقرار مصر.. فكيف يمكن السكوت عما يجري من استعدادات إرهابية منفتحة على دول أفريقية عدة ومنظمات متطرفة مثل بوكو حرام وغيرها؟ كما أنّ هناك خطراً بدأ يلوح في الأفق من خلال ليبيا.

أمام هذا الواقع، كان لا بد لمصر من التحرّك سريعاً، وتنظيف الدولة الليبية من الارهابيين وعناصر التخريب هناك، ولا بد من فرض الاستقرار والامن في لببيا لتنعم مصر بالاستقرار والأمن هي الأخرى… فلا خيار أمام مصر إلاّ التحرك باتجاه ليبيا، حرصاً على استقرارها هي..

لقد صبرت مصر كثيراً وانتظرت القضاء على الارهاب في ليبيا على أيدي الليبيين أنفسهم، ولكن فشل حفتر في تحقيق ذلك فرض على السيسي اتخاذ موقف حاسم وهو الرئيس الواعي القادر على اختيار قراراته بدرجة عالية من الحكمة.

قرار الرئيس السيسي جاء صحيحاً، حاسماً، في الوقت المناسب.

عوني الكعكي

aounikaaki@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.