مع تلاشي توقعات خفض الفائدة.. واستمرار السياسة النقدية… ماذا ينتظر الاقتصاد الأميركي مع تسارع معدل التضخم؟

16

الشرق – وسط عناد التضخم في الولايات المتحدة وبقائه مرتفعاً بأكثر من 3 بالمئة وفقاً لقراءة الشهرين الأخيرين، وخشية مسؤولي الفيدرالي من احتمال توقف التقدم في خفضه، وبالتالي استمرار السياسة النقدية المتشددة لكبح جماحه، تتلاشى التوقعات بتخفيض أسعار الفائدة على المدى القريب، ما يطرح سؤالاً جوهرياً بشأن ما ينتظر الاقتصاد الأميركي؟

وتسارع معدل التضخم السنوي للشهر الثاني على التوالي إلى 3.5 في مارس 2024 من 3.2 بالمئة في شباط، وهو أعلى من توقعات السوق البالغة 3.4 بالمئة. وكانت الأسواق تترقب أول تخفيض للفائدة في حزيران المقبل بعد وصول معدل التضخم في كانون الثاني الماضي إلى 3.1 بالمئة وهو مستوى قريب من النسبة المستهدفة (2 بالمئة) وذلك نزولاً من أعلى مستوى سجله في أكثر من 40 عاماً عند 9.1 بالمئة في حزيران 2022، لكن القراءة الأخيرة للتضخم باتت تعزز المخاوف من اضطرار الفيدرالي لاتخاذ إجراءات إضافية لكبح جماح التضخم ومن ضمنها رفع الفائدة، وخصوصاً مع تزايد أصوات مسؤولي الفيدرالي الداعين للحذر من خفض الفائدة. وقد أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في آذار الماضي للمرة الخامسة على التوالي، دون تغيير، لتظل عند مستوى يراوح بين 5.25 و5.5 بالمئة.

أوقات صعبة

ونقلت شبكة «سي إن بي سي» الأميركية عن ألطاف قسام رئيس قسم استراتيجيات الاستثمار بمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في «ستيت ستريت»: «إن الاقتصاد الأميركي قد يواجه أوقاتاً صعبة في عام 2025 إذا لم يتخذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي إجراءات بشأن أسعار الفائدة في وقت قريب». وأضاف قسام: «إن آليات السياسة النقدية التقليدية باتت معطلة ولم تعد تعمل على نحو فعّال، ما يعني أن أي تغييرات يجريها الفيدرالي بالنسبة لأسعار الفائدة ستستغرق وقتاً أطول كي تنتقل إلى الاقتصاد الحقيقي». وأرجع رئيس قسم استراتيجيات الاستثمار هذا التحول المتوقع في الاقتصاد الأميركي إلى أن الالتزام الأكبر في ميزانية المستهلكين الأميركيين هو الرهن العقاري، والذي تم التعاقد عليه في الغالب بأسعار فائدة ثابتة وطويلة الأمد خلال فترة الوباء التي اتسمت بانخفاض تكاليف الاقتراض. كما أن غالبية الشركات الأميركية أعادت تمويل ديونها بأسعار فائدة أقل خلال نفس الفترة، وعلى هذا النحو فإن تأثير رفع تكاليف الاقتراض في الآونة الأخيرة لن يكون ملموساً حتى يحين موعد إعادة التمويل لاحقاً، بحسب قسام الذي أوضح أن المستهلكين والشركات لا يشعرون بوطأة ارتفاع الفائدة في الوقت الراهن. بدوره، سحق رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، توقعات خفض الفائدة في الأجل القريب، عندما حذر من أن التضخم المرتفع باستمرار من المرجح أن يؤخر أي خفض في أسعار الفائدة الفيدرالية حتى وقت لاحق من هذا العام لأن «البيانات الأخيرة لم تمنحنا ثقة أكبر بشكل واضح» في أن زيادات الأسعار تحت السيطرة. وأضاف باول خلال حلقة نقاشية في مركز ويلسون، «إن أحدث تقارير التضخم تشير بدلاً من ذلك إلى أنه من المرجح أن يستغرق الأمر وقتاً أطول من المتوقع لتحقيق تلك الثقة، في الوقت الحالي، نظرا لقوة سوق العمل والتقدم بالنسبة للتضخم حتى الآن، من المناسب السماح للسياسة التقييدية بمزيد من الوقت للعمل، والسماح للبيانات والتوقعات المتغيرة بإرشادنا، وإذا استمر التضخم المرتفع، فيمكننا الحفاظ على المستوى الحالي من القيود طالما لزم الأمر». من جهتها، أكدت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في سان فرانسيسكو ماري دالي أنه «ليس هناك حاجة ملحة لخفض أسعار الفائدة مع استمرار الاقتصاد وسوق العمل في إظهار علامات القوة، ولا يزال التضخم أعلى من هدف بنك الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 بالمئة». وفي هذا السياق كان عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر قد صرح أنه «لا يوجد داع للاندفاع لخفض أسعار الفائدة»، مشدداً على أن البيانات الاقتصادية الأخيرة تستدعي تأخير أو تقليل عدد التخفيضات التي سنشهدها هذا العام، بل ومن الحكمة بقاء الفيدرالي عند موقفه التقييدي الحالي ربما لفترة أطول مما كان يُعتقد سابقاً للمساعدة في إبقاء التضخم على مسار مستدام نحو 2 بالمئة.

هدفان أمام الفيدرالي

وفي حديثه لموقع «اقتصاد سكاي نيوز عربية» قال الدكتور نضال الشعار كبير الاقتصاديين في شركة «ACY» بأستراليا: «خلال الفترة الماضية كان أمام المجلس الاحتياطي الفيدرالي هدفان الأول خفض معدل التضخم والثاني تحقيق ما يسمى بالهبوط الناعم أو الركود الناعم بمعنى تجنب دخول الاقتصاد في حال ركود شديدة وعدم تعرضه لأي نوع من أنواع الانهيار حتى لو كان بسيطاً». وقد نجح الفيدرالي بتحقيق جزء من هدفه الأول بخفض معدل التضخم من نحو 9 بالمئة إلى 3.5 بالمئة حيث ساعدته الظروف بأن معدل البطالة الذي يعد هدفاً أساسياً من أهداف البنوك المركزية وبشكل خاص المركزي الأميركي، حيث كانت الساحة مفتوحة أمامه للتركيز على التضخم، لكنه لم يحقق الهدف بشكل كامل، وفي الوقت ذاته حقق الفيدرالي هدفه الثاني وهو دخول الاقتصاد في الركود الناعم، بحسب الدكتور الشعار.

ويرى الشعار أنه «ضمن المتغيرات الحاصلة حالياً في العالم في ما يتعلق بالتوترات الجيوسياسية من الأزمة الأوكرانية إلى أزمة البحر الأحمر وتوترات تايوان وصولاً إلى ما يجري في الشرق الأوسط والحرب على غزة وضعف الاقتصاد الصيني إلى جانب ارتفاع أسعار البترول والذهب، فإن الاقتصاد دخل في دورة اقتصادية جديدة فيها تهديد واضح بأن الأمور قد تتجه مستقبلاً نحو السوء بما يتعلق بالعمالة والمبيعات والاستيراد والتصدير ومن ثم الدخول في دومة التضخم مرة أخرى في حال استمرار الأوضاع الجيوسياسية بالتفاقم».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.