مقتل أبو شباب: سقوط الخيانة وانتصار الوعي الوطني
بقلم د. ابراهيم العرب
إنّ مقتل ياسر أبو شباب ليس مجرد حدث أمني عابر في سياق الصراع الدائر في قطاع غزة، ولا هو حادثة فردية يمكن قراءتها على أنها خلاف داخلي أو تصفية حسابات. إنّه، في جوهره، تعبير مكثّف عن معنيين متلازمين: الأوّل هو المصير الحتمي لكل من يختار أن يقف ضد شعبه، ويتحول إلى أداة بيد الاحتلال. أمّا الثاني فهو أنّ المجتمع الفلسطيني، رغم جراحه العميقة وظروفه القاسية، ما زال يمتلك القدرة على فرز مكوّناته، والتمييز الواضح بين الوطني والخائن، بين المقاوم الذي يحمي الأرض، والعميل الذي يطعن أهله مقابل مكاسب شخصية زائلة.
لقد مثّلت الأفعال الإجرامية التي قام بها المدعو ياسر أبو شباب وعصابته خروجاً سافراً عن الصف الوطني والاجتماعي، واعتداءً مباشراً على نسيج المجتمع الفلسطيني الذي صمد عقوداً طويلة في وجه أكثر مشاريع الاستعمار عنفاً ودموية. فالتعاون مع العدو الصهيوني لم يكن يوماً في الثقافة الفلسطينية خياراً فردياً يمكن تبريره أو تمريره، بل هو انحراف أخلاقي يقطع صاحبه عن عمقه الشعبي، ويجعله غريباً حتى عن بيئته الضيقة التي نشأ فيها.
ويكشف لجوء الاحتلال الإسرائيلي إلى توظيف أفراد أو مجموعات ساقطة اجتماعياً وأخلاقياً، وخارجة عن كل أطر القيم والعرف والقانون، أنّ الاحتلال لم يعد يمتلك القدرة على تحقيق أهدافه عبر القوة المباشرة، ولا عبر التفوق العسكري الذي طالما تباهى به. فحين يعجز عن مواجهة مقاومة صلبة وواعية، وحين يجد نفسه محاصراً أمام إرادة شعب لا يعرف الانكسار، يلجأ إلى أدوات واهية يحاول من خلالها اختراق الجبهة الداخلية الفلسطينية، وبث الفوضى وزعزعة الثقة. غير أنّ المجتمع الفلسطيني أثبت مرة أخرى أنّه أقوى من كل محاولات الاختراق، وأنّ العقيدة الوطنية المتجذرة فيه غير قابلة للانهيار مهما اشتدت الظروف.
وفي سياق هذا الوعي الوطني، تبرز أهمية الموقف الأخلاقي والاجتماعي الذي اتخذته العائلات والقبائل والعشائر العربية والفلسطينية، والتي سارعت إلى إعلان براءتها من أبو شباب وكل من تورط في الاعتداء على أبناء شعبه أو التعاون مع الاحتلال. إنّ رفع الغطاء العشائري والاجتماعي عن هؤلاء ليس مجرد خطوة شكلية، بل هو إعلان واضح بأنّ الخيانة لا مكان لها، وأنّ القيم المجتمعية الأصيلة أقوى من الإغراءات المادية التي يقدمها الاحتلال لعملائه.
وقد جاء بيان قبيلة الترابين في قطاع غزة ليؤكد هذا الاتجاه. ففي بيانها الصادر يوم الخميس، أعلنت القبيلة أنّ مقتل ياسر أبو شباب مثّل بالنسبة لأبنائها طيّ صفحة سوداء لا تمتّ إلى تاريخ القبيلة ونضالاتها وشهامتها بأي صلة. فهذا الموقف ليس دفاعاً عن سمعة قبيلة فحسب، بل هو رسالة وطنية بليغة، مضمونها أنّ فلسطين أكبر من الأشخاص، وأنّ العشائرية الحقيقية لا تبرّر الانحراف ولا تستر الخيانة، بل تتماهى مع قضية الشعب وتلتزم بثوابته من البحر إلى النهر.
وتبرز أهمية هذا الموقف العشائري في لحظة تاريخية حساسة يعيشها القطاع. فالمجتمع الفلسطيني، رغم كل الضغوط والحصار، ما زال قادراً على حماية نفسه من الداخل، وعلى ترسيخ معايير الانتماء الوطني، وتغليب المصلحة العامة على الاعتبارات الفردية مهما كانت. إنّ هذه القدرة على إعادة إنتاج الوعي والالتزام هي التي تجعل الاحتلال يفشل مراراً وتكراراً في رهاناته على شرذمة المجتمع الفلسطيني أو شراء ذمم بعض ضعفاء النفوس.
ومن هنا، فإنّ مقتل ياسر أبو شباب لا يمكن النظر إليه فقط على أنّه نهاية شخص خان شعبه، بل هو أيضاً دليل على أن الاحتلال، رغم ترسانته العسكرية وإمكانياته الهائلة، يقف عاجزاً أمام مجتمع متماسك في مبادئه، يعرف جيداً من معه ومن عليه. كما أنه رسالة إلى كل من قد يفكر في السير في الطريق ذاته: الطريق قصير، ونهايته معروفة، لأنّ الشعوب لا ترحم من يعتدي عليها أو يبيع أسرارها أو يساهم في إطالة معاناتها.
إنّ قبيلة الترابين، بما مثّلته من موقف مشرف، أثبتت أنّ الانتماء الوطني يتقدم على كل انتماء آخر، وأنّ القضية الفلسطينية كانت وستبقى القضية المركزية لكل عربي حر. فتحية للترابيين الشرفاء، وتحية لكل عشيرة وبيت فلسطيني وعربي يرفض الخيانة بكل أشكالها، ويثبت أنّ فلسطين ليست أرضاً فقط، بل هي شرف، وهوية، وعقيدة، وقضية وجود لا تقبل المساومة ولا التلاعب.
وفي النهاية، فإنّ رحيل أبو شباب ليس خسارة لأحد، بل هو استعادة لشيء من كرامة المجتمع الذي حاول المساس به، وإشارة واضحة إلى أن خط الدفاع الأول عن فلسطين هو وعي شعبها، وصلابة مقاومتها، ونبل قيمها المتجذرة منذ عقود. هكذا فقط تُصان الأرض، وتُحفظ الكرامة، وتبقى فلسطين عنواناً للنقاء الوطني مهما طال الزمن.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.