من التعاميم الى قانون الفجوة المالية، يشرح فحيلي “للشرق” كيف أدير الانهيار المالي والمودع هو صاحب حق ليس رقما في جداول الخسائر

39

كتبت ريتا شمعون

مشروع قانون ” الفجوة المالية” قصة طويلة عريضة، يتضمن  من الفجوات التشريعية والمالية أكثر ما يتضمن من الارقام والالتزامات والضمانات، ومع ذلك، هل يمرّ المشروع في المجلس النيابي؟

في حال أقرّ مشروع ” قانون الفجوة المالية” في المجلس النيابي  وتقيدت به المصارف ودفعت حصتها من ال100 ألف لكل مودع يستفيد المودعون 2000 دولار شهريا أي 4 مليارات دولار سنويا، وذلك لمدة أربع سنوات، أما من تزيد وديعته عن ذلك، يعطى سندات طويلة الأجل ( 15و20 سنة) هذا التأخير ليس بريئاً أو يقصد به حضّ المودع على بيع السندات بأبخس سعر باعتراف عدد من الخبراء الاقتصاديين.

ماذا يقول الدكتور محمد فحيلي، باحث مقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال ( OSB ) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB) وخبير مخاطر مصرفية وسياسات نقدية في ” قانون الفجوة المالية”؟

يرى فحيلي، في حديث خاص لجريدة”الشرق”  أنه قبل ان يصل مشروع قانون الفجوة المالية الى البرلمان، كانت فكرته طبّقت فعليا عبر تعاميم مصرف لبنان، فالتعاميم الأساسية، من 150 الى 165، لم تكن مجرد إجراءات تقنية لإدارة ظرف إستثنائي، بل مساراً متدرجا لإعادة تعريف الوديعة نفسها، مضيفا: إنتقلت الوديعة من كونها حق ملكية خاصا ومطلقا، الى رصيد قابل للإدارة، ثم الى التزام مؤجل مشروط بالسيولة والقرار والسقف.

أما التمييز بين ” أموال قديمة” و”أموال جديدة”، تحويل السحب الى امتياز إداري لا حق قانوني، ربط القيمة الفعلية للوديعة بقنوات إنتقائية لسعر الصرف، كلها لم تكن  أيضا تفاصيل تشغيلية، بل عناصر تأسيسية لمنطق الفجوة: ” تقسيط الخسارة بدل ردّ الحق”  بهذا المعنى، لم يولد قانون الفجوة المالية في مجلس الوزراء بل ولد في مصرف لبنان، ويطلب اليوم من السلطة التشريعية أن تمنحه الشرعية القانونية.

ويشير فحيلي، الى ان المشكلة ليست فقط في مضمون القانون المقترح، بل في ما يسعى الى تكريسه: أي، تحويل الاستثناء الى قاعدة،وتعليق الحق باسم الواقعية، وإقفال مسار المحاسبة عبر تشريع ما فرض بالأمر الواقع، مؤكدا أن أي قانون لا يبدأ بإعادة تعريف الوديعة كحق كامل غيرقابل للتفاوض، ولا يحدد المسؤوليات قبل توزيع الخسائر، لن يكون قانون تعاف، بل قانون إدارة إنهيار.

ويعتبر فحيلي، أن ما جرى عبر التعاميم الأساسية لمصرف لبنان لم يكن فراغا قانونيا، بل انحرافا عن موجبات واضحة نصّ عليها قانون النقد والتسليف، فالقانون حمّل المصرف المركزي مسؤوليات محددة: حماية النقد، الحفاظ على الاستقرار المالي، تنظيم عمل المصارف، وصون النظام الائتماني بما يحمي حقوق المودعين لا بما يعلّقها، غير أن التعاميم سارت في اتجاه معاكس، إذ استبدلت الرقابة بالمساكنة، والاستقرار بالادارة الظرفية، وحماية الحقوق بتقنيات تسييل الخسارة.

ويلفت الى ان التمييز بين ” أموال قديمة” و”جديدة” وتحويل السحب الى امتياز إداري، وربط القيمة الفعلية للوديعة بقنوات إنتقائية وسقوف تشغيلية، كلها إجراءات لم تعالج إختلالات الميزانيات ولم تفعّل أدوات المحاسبة المنصوص عليها في القانون، بل أدارت العجز ووزّعته زمنيا، بهذا المعنى لم تستخدم صلاحيات مصرف لبنان لفرض إعادة هيكلة شفافة، أو لفرز المصارف القابلة للحياة من المفلسة، أو لإلزام الإدارات بتحمّل الخسائر وفق تراتبية قانونية تحمي المودع، بل جرى، عمليا، تعليق الحق بحكم الأمر الواقع، ثم يطلب اليوم من قانون الفجوة المالية أن يمنح هذا التعليق شرعية تشريعية.

ويضيف في هذا السياق، أن المشكلة ليست تقنية ولا ظرفية، إنها مسألة إلتزام بالقانون، فحين تدار الأزمة بتعاميم تتجاوز روح النقد والتسلبف، يتحول القانون من مرجعية ملزمة الى غطاء لاحق، وتتحول الوديعة من حق مصون الى إلتزام مؤجل قابل للتفاوض، معتبرا أن اي تعاف حقيقي يبدأ باعادة الاعتبار لوظيفة المصرف المركزي كما حدّدها القانون، لا بتشريع ما خالفها.

وأوضح رداً على سؤال:

التعميم رقم 150: مهّد لفكرة ان الودائع ليست وحدة واحدة، بل طبقات يمكن التعامل معها بشكل تفاضلي داخل قانون الفجوة المالية، حوّل حق الايداع المتساوي الى حق مشروط بتاريخ مصدر المال، وميّز عمليا مودعين يملكون أموالاً جديدة وآخرين عالقين بأموال قديمة.

التعميم رقم 157: وفّر البنية التشغيلية لتبرير تعدد المعالجات والأسعار داخل أي قانون فجوة، وربط القيمة الفعلية للوديعة بقنوات وصول إنتقائبة الى سعر الصرف ، لم يتعامل مباشرة مع الودائع، لكنه أثّر على قدرتها الشرائية.

التعميم رقم 158 شكّل النموذج العملي لفلسفة الفجوة: تقسيط الخسارة بدل ردّ الحق، وحوّل الوديعة من ملكية خاصة قابلة للمطالبة الى جدول دفع إستثنائي ، ومنح سحوبات محدودة كامتياز إداري لا كحق قانوني

التعميم رقم 161 : إستخدم كأداة لإدارة الطلب بدل الاعتراف بعجز النظام عن ردّ الودائع، وربط إسترداد القيمة بسقوف وقرارات تشغيلية لا بقانون، وأثّر على قدرة المودع على الوصول الى الدولار النقدي.

التعميم رقم 165: انسجم مع منطق الفجوة القائم على فرز الحقوق بدل توحيدها، وكرّس تمييزاً قانونيا –تقنيا بين أنواع الأموال ، لكنه لم يردّ الودائع بل أعاد تنظيم استخدامها إذا كلنت جديدة.

ويقول، التعاميم، أيّاً كانت ضرورتها الظرفية، لا يمكن أن تكون بديلاً عن إصلاح مصرفي شامل، ولا عن عقد إجتماعي جديد يشرح للناس ماذا تريد الدولة، وماذا تعطي  في المقابل.

ويتابع فحيلي، حين يصل مشروع قانون الفجوة المالية الى البرلمان، يقدّم على أنه قانون واقعي، تقني، وضروري، وكأنه استجابة عقلانية لأزمة خارجة عن السيطرة، مضيفا: غير ان هذه الواقعية ليست سوى إعادة توصيف سياسي لانهيار مدار، لا معالجة له، فالقانون لا ينطلق من السؤال الجوهري الذي يفترض بأي تشريع إصلاحي أن يبدا به : ما هو الحق، ومن انتهكه، وكيف يستعاد؟ بل يتجاوز ذلك كله ليثبت النتائج كما آلت البها الأمور، وكأنها قدر لا يراجع.

وختم فحيلي قائلاً: كفى إدارة للأزمة بعقلية الإنكار، وكفى مخاطبة الناس بلغة تقنية باردة تخفي وراءها قرارات قاسية تتخذ من دون مساءلة ولا تفويض، ما حصل في لبنان لم يكن حادثا عابرا، بل كان تعليقا منظما لحقوق الملكية الخاصة، وفي مقدمها حق المودع بوديعته.

المودع ليس رقما في جداول الخسائر، ولا أثراً جانبيا لانهيار أدير بلا خطط ولا محاسبة ، المودع هو صاحب حق، والدولة التي تطالبه اليوم بالامتثال ، سواء عبر تعاميم نقدية أو مواد ضريبية، من دون أن تعيد له الحدّ الأدنى من حقوقه، تفقد ما تبقّى من شرعيتها الأخلاقية، لا يمكن لمن عطّل الوساطة المالية، وشرعن القيود الاستنسابية ، وأدار النقد كأداة سياسية، أن يطلب من المواطن الثقة، أو التعاون ، فالثقة تبنى بإعادة الانتظام القانوني، وباقرار واضح بأن ما جرى كان فشلاً في الحوكمة لا ظرفاً قاهراً.

 

 

 

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.