من الساحة إلى الدولة: عون يتحدى الواقع اللبناني

28

بقلم أيمن جزيني

«أساس ميديا»

في تاريخ الدول، لا تُقاس اللحظات المفصلية بطولها الزمني، بل بقدرتها على إعادة تعريف المسار. بهذا المعنى، يمكن قراءة خطاب رئيس الجمهورية جوزاف عون بوصفه لحظة تأسيسية في التاريخ اللبناني المعاصر، لا لأنه أعلن موقفاً سياسياً فحسب، بل لأنه أعاد صياغة معنى الدولة نفسها.

لم يكن الخطاب تعليقاً على وقف إطلاق النار بقدر ما كان إعلاناً عن نهاية مرحلة كاملة: مرحلة لبنان “الساحة”، وبداية مشروع لبنان “الدولة”. في هذه اللغة الواضحة، التي كسرت تقاليد الغموض السياسي، ظهرت إرادة صريحة لاستعادة القرار الوطني من تشابكاته الإقليمية، وإعادته إلى مركزه الطبيعي: بيروت.

إنها لحظة انتقال من التكيّف مع الاختلال إلى محاولة تصحيحه، ومن إدارة الأزمة إلى السعي لتفكيك بنيتها. وهنا تحديداً تكمن أهمية الخطاب: في كونه لا يصف الواقع، بل يتحداه.

من الوصاية إلى الهيمنة: مسار الارتهان الطويل

لا يمكن فهم هذا التحول من دون العودة إلى البنية التاريخية التي حكمت لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية. فقد خضع البلد لنظام وصاية مباشر في عهد حافظ الأسد، واستمر هذا النفوذ في صيغة معدّلة خلال مرحلة بشار الأسد، حيث كانت السيادة اللبنانية مشروطة بإرادة خارجية.

بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري سنة 2005، بدا أن لبنان يتجه نحو استعادة استقلاله. غير أن هذا الاستقلال بقي ناقصاً، إذ سرعان ما تشكّلت بنية هيمنة جديدة، أقل مباشرة وأكثر تعقيداً، تمثلت في صعود “الحزب” كقوة عسكرية ـ سياسية تتجاوز الدولة وتعيد ربط لبنان بمحور إقليمي.

لم يخرج لبنان من منطق الارتهان، بل أعاد إنتاجه. من وصاية واضحة إلى هيمنة مضمرة، ومن قرار خارجي صريح إلى قرار داخلي مرتبط بالخارج. خطاب عون يأتي ليكسر هذه الاستمرارية، ويعلن أن هذا المسار ليس قدراً.

جرأة التسمية: لا يمكن تغيير واقع لا يسمى

لطالما كانت اللغة في لبنان أداة لإدارة التناقضات، لا لحلها. مصطلحات مثل “التوازن” و”الخصوصية” كانت تخفي عجزاً بنيوياً عن اتخاذ القرار. لكن خطاب عون كسر هذه القاعدة، واعتمد لغة مباشرة أعادت تعريف المشكلة بأسمائها الحقيقية: سيادة منقوصة، قرار مرتهن، ودولة مغيبة.

هذه الجرأة ليست تفصيلاً بلاغياً، بل شرط سياسي. إذ لا يمكن تغيير واقع لا يُسمّى. ومن هنا، فإن الخطاب لا يكتفي بطرح مشروع سيادي، بل يؤسس له لغوياً، عبر تفكيك القاموس الذي شرعن الاختلال لعقود. أبرز ما ميّز الكلمة هو تلك الجرأة النادرة في تسمية الأمور بأسمائها. لم يختبئ خلف عبارات رمادية أو توازنات لغوية، بل تحدث بوضوح عن استعادة القرار اللبناني، وعن رفض أن يكون لبنان “ورقة في جيب أي كان”.

تفكيك خطاب “المقاومة”: من الإقناع إلى المأزق

يشكل خطاب “الحزب” أحد أكثر الخطابات رسوخاً في لبنان، ليس فقط لأنه مدعوم بقوة عسكرية، بل لأنه نجح في بناء شرعية معنوية لدى شريحة من اللبنانيين، تقوم على ثلاث ركائز: حماية البلد من إسرائيل، تعويض ضعف الدولة، والانتماء إلى محور يوفر توازناً إقليمياً. ولا يمكن لأي خطاب سيادي أن يكون منيعاً ما لم يعترف أولاً بهذا المنطق. فقد بدا الحزب، في مراحل معينة، خصوصاً بعد حرب 2006، كأنه الضامن الوحيد لردع إسرائيل، في ظل دولة عاجزة. كما أن شعوراً عميقاً لدى جزء وازن من الطائفة الشيعية بالخوف من التهميش، جعل من السلاح أكثر من مجرد أداة عسكرية، بل ضمانة وجودية.

غير أن هذا المنطق نفسه وصل إلى مأزقه. فالسلاح الذي قُدم كأداة حماية، بات مدخلاً لحروب دورية تستنزف المجتمع. والارتباط بمحور إقليمي، الذي قُدّم كقوة، تحوّل إلى قيد يربط لبنان بصراعات لا يملك قرارها. أما ضعف الدولة، فلم يُعالج، بل تعمّق بفعل تكرس نموذج “الشرعيتين”: شرعية الدولة، وشرعية المقاومة. ومع مرور الوقت، طغت الثانية على الأولى، ما أدى إلى تآكل مفهوم الدولة نفسها.

هنا يتدخل خطاب عون لا لنفي هذا التاريخ، بل لتجاوزه: عبر طرح معادلة معاكسة مفادها أن الدولة القوية وحدها قادرة على حماية الجميع، وأن استمرار الازدواجية لم يعد ضمانة، بل خطراً.

السيادة كشرط للتحرير

في مضمون الخطاب، تبرز فكرة مركزية: لا يمكن تحرير الأرض من الاحتلال إذا لم يتحرر القرار من الهيمنة. هذه المعادلة تقلب منطقاً سياسياً طويلاً، ربط التحرير بالانخراط في محاور إقليمية. والإشارة الضمنية إلى الهيمنة الإيرانية لا تأتي هنا في سياق مواجهة إيديولوجية، بل كجزء من تعريف المصلحة الوطنية. فالدولة، لكي تكون فاعلة، يجب أن تكون مستقلة في قرارها. وهذا الاستقلال ليس شعاراً، بل شرط عملي لأي سياسة خارجية متوازنة.

بهذا المعنى، يعيد الخطاب لبنان إلى موقعه الطبيعي: دولة ضمن محيط عربي ونظام دولي، لا ساحة لتصفية الحسابات.

من ثقافة الموت إلى سياسة الحياة

يتجاوز خطاب عون السياسة إلى عمق البنية الاجتماعية. فلبنان، خلال عقود، لم يعش فقط أزمات سياسية، بل تشكّلت فيه ثقافة كاملة حول “العيش مع الحرب”. اقتصاد قائم على الأزمات، ومجتمع يعتاد الخسارة، وخطاب يمجّد التضحية بمعزل عن جدواها.

“ثقافة الموت” هذه لم تعد مجرد نتيجة للصراعات، بل أصبحت إطاراً يبرر استمرارها. وهنا تكمن أهمية الطرح الذي يقدمه عون: نقل السياسة من منطق التضحية إلى منطق الحياة، ومن تمجيد الصمود إلى بناء الازدهار.

وهذا التحول، إن تحقق، لن يكون سياسياً فقط، بل سوسيولوجياً عميقاً، لأنه يعيد تعريف معنى الوطنية نفسها.

ماذا بعد الخطاب؟ سيناريوهات مفتوحة

يبقى السؤال الحاسم: ماذا بعد هذه اللحظة؟ يمكن تصور ثلاثة مسارات:

ـ مسار الاستعادة التدريجية: ينجح الخطاب في خلق دينامية داخلية وخارجية تدعم مشروع الدولة، ما يؤدي إلى إعادة بناء المؤسسات، وتقليص الازدواجية، واستعادة الثقة.

ـ مسار الصدام والتعطيل: تواجه هذه الرؤية مقاومة من القوى المتضررة، ما يؤدي إلى شلل سياسي وربما توترات أمنية، تبقي لبنان في حالة استنزاف مفتوح.

ـ مسار التسوية المؤقتة: يُعاد إنتاج توازن هش، يخفف التوتر من دون حل جذري، ما يعني استمرار الأزمة بأشكال أقل حدّة.

التاريخ لا يُكتب من داخل مناطق الراحة. ولبنان اليوم، بعد عقود من الارتهان، يقف أمام لحظة نادرة: إما أن يعيد تعريف نفسه كدولة، أو يستمر كساحة. وبين هذين الخيارين، لا يبدو خطاب عون مجرد موقف، بل محاولة أخيرة لإنقاذ معنى لبنان نفسه.

مسؤولية النخب: من القول إلى الفعل

غير أن أي تحول من هذا النوع لا يمكن أن يُختزل في إرادة السلطة وحدها. فخطاب رئيس الجمهورية، مهما بلغ من الوضوح والجرأة، يبقى إطاراً يحتاج إلى حوامل اجتماعية وسياسية كي يتحقق. وهنا تبرز مسؤولية النخب اللبنانية السياسية، والثقافية، والاقتصادية في ترجمة هذه اللحظة إلى مشروع فعلي. إذ لا يكفي أن تستعيد الدولة خطابها السيادي، ما لم تستعده أيضاً الفئات التي اعتادت التكيّف مع منطق التسويات والازدواجيات.

الدول لا تنهض فقط حين تتخذ القرار، بل حين يصبح هذا القرار ثقافة عامة، ومصلحة مشتركة، وخياراً مجتمعياً واعياً. وفي هذا المعنى، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة موازين القوى، بل في كسر العادات السياسية التي جعلت من الأزمة نمطاً دائماً، ومن التأقلم معها بديلاً عن تغييرها.

أيمن جزيني

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.