من رفيق الحريري إلى سعد الحريري…
بقلم دافيد عيسى
مع اقتراب الرابع عشر من شباط، يعود الوجع اللبناني حيًّا في الذاكرة، لا بوصفه ذكرى عابرة، بل كمحطّة مفصلية في تاريخ الوطن. ففي هذا اليوم من عام ٢٠٠٥، هزّ لبنان زلزال سياسي ووطني عنيف، حين انفجر ما يعادل ١٨٠٠ كلغ من مادة الـTNT قرب فندق سان جورج في بيروت، مستهدفًا موكب رئيس الحكومة الشهيد رفيق الحريري.
يومها، لم يسقط رجل دولة فحسب، بل اهتزّ الكيان اللبناني بأكمله، ودخل الوطن مرحلة جديدة عنوانها عدم الاستقرار والقلق الدائم على المصير.
كان رفيق الحريري قامة وطنية تجاوزت حدود الداخل إلى الإقليم والعالم.
رجل دولة حمل مشروع إعادة بناء الدولة بعد الحرب، لا على مستوى الإعمار فقط، بل على مستوى ترسيخ فكرة لبنان المنفتح، المعتدل، القادر على أن يكون نقطة تلاقٍ لا ساحة صراع.
وباستشهاده، خسر لبنان عنصر توازن أساسي، وخسر شبكة علاقات عربية ودولية شكّلت مظلّة دعم وحماية، وخسر قبل كل شيء رجلًا آمن بأن لا قيام للوطن من دون مؤسسات فاعلة، واقتصاد منتج، ودولة تحمي أبناءها جميعًا.
منذ ذلك اليوم، بدا وكأن الزمن توقّف.
لم يعد لبنان يعرف أيامًا طبيعية، وتعطّلت ورشة الدولة، وتقدّم منطق التعطيل على منطق الحكم، وكأن استهداف رفيق الحريري كان استهدافًا مباشرًا لفكرة الدولة نفسها.
رحل، ومعه رحلت مرحلة كان فيها الأمل مشروعًا، وبات اللبنانيون يشعرون بأن مسمارًا واحدًا لم يُدَقّ في جدار الدولة منذ غيابه حتى اليوم.
في خضمّ هذا الفراغ، تقدّم سعد الحريري لتحمّل أمانة وطنية ثقيلة. لم يدخل السياسة من باب الطموح الشخصي، بل من باب الواجب، حاملًا إرثًا كبيرًا ومسؤولية مضاعفة في مرحلة شديدة التعقيد.
واجه تحديات داخلية وخارجية، وتعرّض لضغوط قاسية، لكنه اختار نهج الاعتدال، وقدّم الاستقرار الوطني على المكاسب الآنية، مؤمنًا بأن حماية السلم الأهلي شرطٌ لأي نهوض حقيقي.
كان سعد الحريري، كما والده، جامعًا لا مفرّقًا. لم يحصر نفسه في إطار طائفي ضيّق، بل سعى إلى جمع اللبنانيين حول فكرة الدولة، فالتفّ حوله أبناء مختلف الطوائف بصدق.
واليوم، يفسّر هذا الغياب القسري لقائد وطني حجم الفراغ الذي تعيشه الطائفة السنية، كما الحياة السياسية اللبنانية عمومًا، في ظل غياب مرجعية اعتدال قادرة على لمّ الشمل ومنع الانزلاق نحو التطرّف أو التشتّت.
ومن هنا، فإن عودة سعد الحريري لم تعد مسألة شخصية أو سياسية ضيّقة، بل باتت حاجة وطنية في زمن الاختلالات الكبرى.
فالتوازن في لبنان، كما أثبتت التجربة، لا يقوم إلا على شراكة حقيقية بين مكوّناته، وعلى حضور قيادات وازنة قادرة على إدارة هذا التوازن، لا كمعادلة طائفية، بل كصيغة حكم.
وقد ترك غياب سعد الحريري خللًا واضحًا في ميزان الحياة الوطنية، لأن الاعتدال الذي مثّله شكّل ركيزة أساسية للاستقرار، وجسرًا بين الداخل والخارج، وبين الدولة ومحيطها العربي والدولي.
ذلك أن لبنان لا يُحكم إلا بالتوازن، ولا يستقيم إلا بالشراكة واحترام الدستور، لا بمنطق الغلبة أو التعطيل.
من رفيق الحريري إلى سعد الحريري، هو خط وطني واحد، لم يميّز يومًا بين طائفة وأخرى، ولم يبنِ مجده على الانقسام، بل على الإيمان بلبنان الجامع.
في ذكرى الرابع عشر من شباط، لا نكتفي باستعادة الألم، بل نواجه الحقيقة السياسية كما هي. فاغتيال رفيق الحريري لم يكن حدثًا عابرًا، بل نقطة تحوّل غيّرت مسار الدولة وأدخلت لبنان في زمن الفراغ والتعطيل.
رفيق الحريري استُشهد لأنه أراد دولة سيدة وقادرة، وسعد الحريري غاب لأنه أصرّ على حماية هذا الخيار في زمن بالغ الصعوبة.
وبين الاستشهاد والغياب، يقف وطن مأزوم يبحث عن توازن، وعن شراكة وطنية، وعن أعتدال الذي شكّل يومًا صمّام أمان لبنان.
وفي الرابع عشر من شباط، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يُترك لبنان لمصيره، أم تُستعاد الدولة التي استُشهد من أجلها رفيق الحريري؟
من هنا فإن ١٤ شباط ٢٠٢٦، هو الموعد مع الوفاء من جديد… كونوا كُثُرًا لملاقاة الرئيس سعد الحريري، في يومٍ يجسّد الثبات على النهج والالتزام بالوطن.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.