من لا يجرؤ فليتنح جانباً
المحامي مروان سلام
ليس المطلوب الآن ترفًا في البيانات ولا بالمواقف الفارغة، بل وقفة ضمير قاسية مع الذات، لأن ما آلت إليه أوضاع الطائفة السنيّة في بلدنا ليس قدَرًا ولا مؤامرةً فقط، بل نتيجة مباشرة لتراكم الإهمال، والتواطؤ، والجبن السياسي، وانعدام الرؤية لدى طبقةٍ ادّعت تمثيلنا وهي في الواقع استهلكت رصيدنا الوطني والأخلاقي.
نحن أبناء الاعتدال والدولة، أبناء الشراكة لا الغلبة، فإذا بنا نُزَجّ في زوايا ضيقة، بلا مشروع، بلا قيادة، وبلا حدٍّ أدنى من الكرامة السياسية، فيما من تصدّر المشهد اكتفى بدور المتفرّج الصامت، أو السمسار أو المساوم على حساب الطائفة والوطن معًا.
التجدد الذي ننادي به ليس تغيير وجوه ولا إعادة تدوير خطابات ميتة، بل إعادة هيكلة عميقة للبنية السياسية والدينية والاجتماعية، تنظيفٌ صريح قبل أن يكون تنظيمًا، ومحاسبةٌ قبل أي مصالحة داخلية.
لقد فُتحت الأبواب على مصاريعها لشبكاتٍ وعصاباتٍ دخلت من فراغ القيادة، تشوّه القيم باسم الدين، وتبتز الناس باسم الطائفة، وتحوّل الاعتدال إلى ضعف، والسكوت إلى حكمة مزعومة، فيما الحقيقة أن هذا السكوت كان تخليًا فاضحًا عن المسؤولية.
الاعتدال الذي نتغنى به ليس هو حيادًا عن الحق، ولا صمتًا أمام الانحراف، بل موقف وطني شجاع، ومن حوّله إلى شماعة للكسل السياسي ارتكب جريمة بحقنا.
زعماء الطبقة السياسية السنيّة فشلت في أن تكون في الطليعة، وفشلت أكثر في أن تكون حامية، لم تتقدم خطوة حين كان التقدم واجبًا، ولم تواجه حين كانت المواجهة ضرورة، وتركت شابات وشباب الطائفة بلا أفق، بلا خطاب، وبلا أمل، بل تركتهم يتخبطون في الهجرة والمهجر، فيما كانت هي منشغلة بتوازناتها الهشة، وعلاقاتها الرمادية، وحساباتها الصغيرة، هكذا همَلنا أنفسنا، لا بالهزيمة بل بالفراغ، ولا بالسقوط المدوي بل بالتآكل البطيء.
آن الأوان لقلب الطاولة، لا بالصراخ بل بالفعل، لا بالثورة العبثية بل بالتجدد الواعي، تجدد يعيد الاعتبار للدولة، وللمؤسسات، ولمرجعياتنا النظيفة، ويُقصي كل من شوّه الصورة وبدّد الفرصة.
ومن لا يجرؤ على المراجعة فليتنحَّ، ومن لا يملك مشروعًا فليصمت، لأن الطائفة السنيّة التي أنجبت رجال دولة قادرة على أن تنهض من جديد، شرط أن تقول كلمتها بوضوح: انتهى زمن الوصاية الفاشلة، وبدأ زمن المسؤولية.
المحامي مروان سلام
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.