موظفو الإدارة العامة على مقصلة الأزمة الاقتصادية كسائر اللبنانيين ورأي رابطتهم بين التصعيد وتسيير المرفق وفق الإمكانات

190

كتبت ريتا شمعون:

یعیش لبنان الیوم في ظل أزمة مالیة تعتبر من أصعب الأزمات التي مرّ بھا الإقتصاد اللبناني، وبالتأكید فإن الطریقة التي تعاطت بھا السلطة السیاسیة منذ 17 تشرین 2019 مع مختلف المواضیع خصوصا السیاسة النقدیة المتبعة أوصلت البلد الى «الإنهیار» الذي وصفته صحیفة «التایمز» البریطانیة بأنه أسوأ من إنهیار وول ستریت من حیث القیمة المطلقة، وأنه لم یسبق له مثیل في التاریخ من حیث الحجم بالنسبة لدولة واحدة. ھذا الإنهیار وصلت تكلفته الى حدّ الیوم على الإقتصاد اللبناني الى ملیارات الدولارات وأدّى الى مزید من الشلل في القطاعات الإقتصادیة خصوصا قطاعات الدولة الى تعطیل الدوام في المؤسسات الحكومیة بما فیها التي تقدم خدماتھا للمواطنین، الى إنهیار اللیرة اللبنانیة بسبب الإرتفاع الجنوني للدولار الأمیركي الذي تسبب بكارثة على الموظفین في القطاع العام خصوصا مع وصوله الى حدود 24000 لیرة ما أدّى الى تراجع قیمة الرواتب والأجور التي یتقاضاھا الموظفون باللیرة.

رفع بدل النقل لا يعتبر

إلا جزءاً من الحل

في ھذا الوقت، یصدر وزیر المال في حكومة تصریف الأعمال غازي وزني قراراً رفع بموجبه بدل النقل في القطاع العام من 8000 لیرة الى 24000 لیرة بحسب عدد أیام الحضور (20 أو 22 یوما في الشهر). من وجهة النظر الإجتماعیة یبدو أنه جزء من الحل مع إرتفاع أسعار المحروقات لكن من وجهة النظر المالیة یجمع الخبراء على أن ھذا الإجراء ھو كارثة نظرا الى أن الحكومة ھي في عجز مالي.

مجلس الخدمة المدنیة رفع دراسة الى رئیس حكومة تصریف الأعمال حسان دیاب في حزیران الماضي حدّد فیها إقتراحاته لتخفیف الأعباء الإقتصادیة والإجتماعیة عن العاملین في القطاع العام في ظل الظروف الراھنة مع الأخذ بالإعتبار وضع الخزینة العامة وشح الموارد والعجز في الموازنة العامة وھي على الشكل التالي:

– إفادة العاملین في القطاع العام «من القانون رقم 230 القاضي بإقرارالبطاقة التمویلیة الالكترونیة الذي وقعه رئیس الجمهوریة وفتح إعتماد إضافي إستثنائي لتمویلها».

– تخفیض كلفة الإنتقال من والى مركز العمل.

– الحفاظ على التقدیمات الصحیة والإجتماعیة وتعزیزھا قدر الإمكان.

– إعادة اعتماد العشرین عاما من الخدمة الفعلیة كحد أقصى لاستحقاق المعاش.

من المستحيل تحقيق مطلب

زيادة الرواتب بالوضع الراهن

ومع الأزمة الإقتصادیة الإجتماعیة المتفاقمة التي أدّت الى تراجع القدرة الشرائیة للموظفین والعاملین في الإدارات الرسمیة. إرتفعت الأصوات المطالبة بزیادة الرواتب فیما أظهرت دراسة قامت بھا «الدولیة للمعلومات» أن ھذا المطلب تحدیدا من قبل العاملین في القطاع العام الذین سبق أن نفذوا إضرابا وإن كان محقا فإن ھناك إستحالة في تحقیقه لأنه یؤدي الى مزید من التضخم. إذ یشكل بند الرواتب والأجور في القطاع العام 86 % من إجمالي واردات الدولة وھنا تكمن الخطورة في كل مرة بكیفیة تمویله.

علماً بما ان العاملین في القطاع العام قد أصبحوا من الفئة الأكثر حاجة للإستفادة من البطاقة التمویلیة التي أقرّھا مجلس النواب لاسیما بعدما خسروا خلال فترة زمنیة تقل عن سنتین 90 % من قیمة مدخولهم الشهري وتدهورت قدرتھم الشرائیة الى مستویات غیر مسبوقة حیث لم تنفع سلسلة الرتب والرواتب التي أقرها القانون 2017\46 نظرا الى فقدان كامل الزیادة مع إرتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء وأصبح الراتب أو التعویض أو الأجر الشھري لا یكفي لسد أبسط إحتیاجاتھم الأساسیة كما أكد لنا عضو الھیئة الإداریة لرابطة موظفي الإدارة العامة حسن وھبي في حدیث لـ«الشرق».

المطلوب تسهيلات وتقديمات بكلفة

لا تحمّل الخزينة أعباء

وبما انه من المتعذر في الوقت الراهن زیادة الرواتب والأجور للعاملین في الإدارات الرسمیة یقول وهبي: «من أجل تمكین الموظف في الإدارة العامة من الإستمرار في تلبیة حاجاته وحاجات عائلته بالحد الأدنى والقیام بواجباته الوظیفیة فإنه لا بد من إفادته من تسھیلات وتقدیمات كمكتسبات للراتب بكلفة مقبولة لا تحمّل الخزینة العامة أعباء طائلة مشیرا الى أن قرار رفع بدل النقل في القطاع العام الذي یشمل الإداریین والتربویین الى 24 ألفا یومیا بدلا من 8000 لیرة أي ما یوازي حصول الموظف على 528 الف لیرة كبدل نقل شهریا بدلا من 176 ألفا لن یحل مشكلة تدھور الرواتب خصوصا أن ارتفاع سعر البنزین جعل الكثیر من الموظفین یمتنعون عن الذھاب الى عملھم».

وأضاف: قد یؤدي رفع قیمة بدل النقل الى زیادة حجم الإنتاجیة في القطاع العام الذي یعمل الیوم ضمن إطار المداورة معتبرا أن ھذه الخطوة جیدة لكنھا غیر كافیة.

لا كهرباء ولا مولدات… والنتيجة

توقف العمل بالإدارات الرسمية

وحذّر من ان الإدارات الرسمیة مھددة بالتوقف عن العمل اعتبارا من الیوم الإثنین بعدما نفدت مادة المازوت من مولدات الإدارة العامة في لبنان ویترافق ذلك مع إنقطاع التیار الكهربائي وبالتالي سیكون ھناك توقف عن العمل لساعات طویلة محذرا أیضا من تداعیات إقفال المرفق العام الحیوي ومطالبا الدولة بالتحرك بأقصى سرعة وإلا فالمصیبة كبیرة لأن تداعیاتها لن تقتصر على الموظف والعامل والأجیر فحسب إنما ستصیب كل مواطن لبناني وسأل: «ماذا یمكن أن یفعله الموظفون لا كهرباء ولا مولد والنتیجة توقف العمل في الإدارات الرسمیة فضلا عن أن 20 % فقط من الموظفین یحضرون الى مكاتبهم بسبب إرتفاع سعر صفیحة البنزین الى مستوى لا قدرة للموظف علیه».

من جهة أخرى كشف وهبي، أن نسبة موظفي الإدارات الرسمیة في لبنان تقدر بحوالى 16 ألف موظف یعملون في الإدارة العامة موزعین على الشكل التالي:10,000 موظف دائم، فیما یبلغ عدد المتعاقدین حوالى 4000 بالإضافة الى 2000 أجیر قائلاً: «یتبین لنا أن متوسط الأجور في الإدارة العامة الیوم یتراوح بین 30 و125 دولاراَ ھذا المبلغ یجب أن یكفي للمأكل والمشرب وتعلیم الأولاد والطبابة وشراء الدواء وھذا ھو المستحیل حیث فقدت اللیرة أكثر من نصف قيمتها وتراجعت الى حدود 92٪ على أساس احتساب سعر الدولار في السوق السوداء عند معدل 24000 لیرة».

انهيار قيمة رواتب الموظفين

سيجعلهم أمام مصير مجهول

ويرى أن الإنهيار الذي أصاب قيمة رواتب موظفي الدولة سيجعلهم أمام مصير جهول ويقول: «تخيل أن راتب موظفي فئة ثانية او ثالثة يصل في أحسن الأحوال الى 3 ملايين ونصف مليون ليرة كان يساوي قبل الأزمة المالية حوالى 2300 دولار أمیركي على احتساب سعر صرف الدولار 1500 لیرة ھذا الراتب ھو نفسه بات الیوم یساوي حوالى 145 دولاراً شھریا ومع ذلك لم نطالب بزیادة الأجور لاستحالة ذلك في ھذه المرحلة جلّ ما نطلبه عدا رفع بدل النقل تخصیص عدد من صفائح البنزین للموظفین».

ورأى في طلب البنك الدولي إعادة هیكلة القطاع العام المتضخم وتخفیضه الى النصف ظلما رافضا تعمیم صفة قلة الإنتاجیة على موظفي القطاع العام وقال: «أن موظفي الإدارة ملزمون بالحضور على حسابهم الى مكان عملھم بعدما أصبح بدل النقل الشھري لا یغطي كلفة صیانة السیارة مؤكدا أن التوظیف المقنع أو ما یسمى «بالحشو الوظیفي» تم في المؤسسات العامة مثل «مؤسسة كهرباء لبنان وأوجیرو بالإضافة الى شركتي میاه الجنوب ومیاه بیروت وجبل لبنان « لكن ھذا التوظیف لم یشمل الإدارة العامة الذي یفترض أن یجري عبرمباریات في مجلس الخدمة المدنیة».

رأي يدعو لخطوات تصعيدية

وآخر لتسيير المرفق العام

لم تحزم الھیئة الإداریة لرابطة الموظفین في الإدارات العامة موقفھا بعد لاسيما لجهة إعلان خطة تحرك یقول وھبي: بالرغم من أن التكیف مع الأزمات بات متعذرا إن لم نقل مستحیلاً فإن ھناك رأیین مختلفین: یقول الرأي الأول لیس ھناك أدنى ضرورة لاتخاذ خطوات تصعیدیة مثل الإضراب إذ لا یمكننا أن نطالب بحقوقنا من حكومة غیر فاعلة أي حكومة تصریف أعمال. أما الرأي الآخر فيعتبر أنه من الأجدى وضع خطة طوارىء لتسییر المرفق العام بحیث توائم بین ما تحتاجه الإدارات من عدد الموظفین وبین إمكانات الموظفین للحضور والتي لا تتجاوز 40 % من أیام العمل الرسمي أي على الدولة تقصیر الدوامات واعتماد مبدأ المداورة. وما صرخاتنا إلا للمحافظة على ھیكل الدولة الذي سیتداعى سریعا من دون جھاز موظفي الإدارات العامة آملا أن لا تضطر الھیئة الى المزید من التصعید أي الإضراب المفتوح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.