ميشال سليمان: جامع مجد المعادلتين.. «الخشبيّة» و «الذهبيّة» – 1

45

بقلم سامر زريق

«أساس ميديا»

لعلّ ميشال سليمان هو الرئيس الأقلّ إشكاليّة منذ اتفاق الطائف. فهو أوّل رئيس جاء بتوافق وإجماع لبنانيَّين، معطوف على إجماع عربي ودولي، بعد خروج القوات السورية من لبنان.

توافق عليه المتخاصمون في الدوحة. فهو عُيّن قائداً للجيش في العهد السوري، بموافقة حزب الله. وقد حصد في الدوحة ثمار «سلفتين» سياسيّتين قدّمهما حين كان قائداً للجيش، الأولى هي «عدم التدخّل» في «ميني انقلاب» حزب الله حين «غضّ النظر» عن 7 أيّار 2008، والثانية حين تساهل مع تظاهرة 14 آذار 2005، مغضباً السوريين وحزب الله، ومسلّفاً الغرب والأميركيين والمعارضة اللبنانية. وهو جامع المجد من طرفَيه. فقد دخل قصر بعبدا رافعاً «المعادلة الذهبية»: جيش وشعب ومقاومة، وخرج بعد «إعلان بعبدا» واصفاً إيّاها بـ»المعادلة الخشبية».

سيرته الشخصيّة

ولد ميشال سليمان في بلدة عمشيت – جبيل عام 1948. تلقّى علومه الابتدائية في مدرستَيْ فرير عمشيت وجبيل، وأنهى الثانوية في مدرسة جبيل الرسمية عام 1967. تأثّر بوالده الذي كان ضابط صفّ في قوى الأمن الداخلي. تطوّع في المدرسة الحربية، وتخرّج منها برتبة ملازم عام 1970. درس العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية وحصل على إجازة فيها عام 1980. تدرّج في الرتب حتّى عُيّن قائداً للجيش أواخر عام 1998، عقب انتخاب العماد إميل لحود رئيساً للجمهورية.

قائد في الظلّ

لم يكن العميد ميشال سليمان مرشّح الرئيس إميل لحّود لخلافته في قيادة الجيش، إنّما صديقه العميد البحريّ أسعد غانم نجل قائد الجيش الأسبق إسكندر غانم وشقيق النائب روبير غانم. وعلى الرغم من كون لحّود رجل سوريا في لبنان، إلّا أنّ حافظ الأسد لم يكن ليقبل تسليم السلطة السياسية والجيش لرجل واحد مهما بلغت درجة ولائه وتزلّفه له، وذلك بسبب الخوف المَرَضيّ لدى من خَبِر الانقلابات من تقليد صنيعته له. لكنّه في المقابل لم يُرِد أنْ يضع الجيش في حالة عداء وخصومة معه، كما فعل لحّود نفسه مع السلطة السياسية.

لذلك وقع خيار مفوّضه السامي غازي كنعان على العميد سليمان تحديداً، متجاوزاً 90 عميداً يفوقونه أقدميّة. فلا هو من زمرة القائد السابق ولا هو خصمه. منضبط وهادئ وبعيد عن الاستعراض، واختُبر عن قرب من الحاكم بأمره في عنجر لخمس سنوات قضاها في البقاع (1993-1998). وفعلاً آثر العماد سليمان الابتعاد عن الأضواء، ولم يقُم بتقليد سلفه في اصطحاب الكاميرات معه، ورفع أكمام ردائه العسكري لإبراز عضلاته في عزّ البرد وهو يلقي محاضراته على الجنود في أعالي القمم المكلّلة بالثلوج.

ومع أنّ الفرصة بدت مؤاتية له للصعود على خشبة المسرح بطلاً وطنياً بعد أحداث الضنّية في عام 2000، إلّا أنّه فضّل الجلوس في الصفوف الأمامية ومراقبة الصراع السياسي. وحتّى اليوم لا يزال كُثُرٌ يعيّرونه بأنّه ما كان ليصل إلى رأس الهرم العسكري لو لم يكن خيار غازي كنعان، علماً أنّ الجيش كلّه كان ملزماً بالتنسيق الكامل مع الجيش السوري. وكان الكثير من الضبّاط يخضعون لدورات تدريبية في المدن السورية بقرار من حافظ الأسد، بهدف العمل على تلقينهم العقيدة البعثيّة.

بدأ نجم العماد سليمان يلمع على الساحة السياسية عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إثر امتناعه عن تنفيذ قرار السلطة السياسية بفضّ الاعتصام السلمي قرب ضريحه، ورفضه إقفال ساحة الشهداء والبطش بمن يحاول اختراق الطوق العسكري يوم 14 آذار، بل قام الجيش بحماية المتظاهرين في ذلك اليوم التاريخي. بقي على الحياد في عزّ الصراع بين فريقَيْ 8 و14 آذار.

نشر الجيش على الحدود الجنوبية تنفيذاً للقرار الدولي 1701، بالتنسيق مع حزب الله وقوّات اليونيفيل في الوقت عينه، كاسراً أسطورة سلفه «الرئيس المقاوم» الذي امتنع عن القيام بهذه الخطوة لسنوات طويلة بحجّة حماية المقاومة. بيد أنّ انتصار الجيش في معركة «نهر البارد» ضدّ تنظيم «فتح الإسلام» الإرهابي عام 2007، هو ما دفع اسمه إلى صدارة المرشّحين للرئاسة.

«7 أيّار» تنتخب

فاتحه الرئيس سعد الحريري بالرئاسة قبل سنة من نهاية الولاية الممدَّدة للحّود، ودخل معه أركان 8 آذار في مفاوضات للغاية نفسها. أثناء المفاوضات حاول حزب الله إغراقه في مستنقع الصراعات الضيّقة عندما وضع الجيش في مواجهة بعض المشاغبين في كانون الثاني 2007، ضمن ما عُرِفَ حينها بـ»أحداث مار مخايل»، وذلك بهدف التخفيف من وهج انتصاره في معركة نهر البارد.

تلقّف الرسالة وذهب إلى الأمين العام لحزب الله، وكانت رئاسة الجمهورية حاضرة في ذاك اللقاء.

طلب منه رئيس المخابرات المصرية اللواء عمر سليمان تأمين انعقاد المجلس النيابي لانتخاب مرشّح الأكثرية النيابية النائب نسيب لحّود بالنصف زائداً واحداً بدعم أميركي، فرفض خوفاً من انقسام البلد، ولا سيّما أنّ البطريرك الماروني نصر الله صفير عارض هذه الخطوة.

بعد ذلك بأشهر قليلة حوّل حزب الله سلاحه «المقدّس» إلى صدور أهل بيروت والجبل في غزوة «7 أيار» المجيدة، التي ما كان ليُقدم عليها لولا غطاء دولي كان الهدف منه إرهاقه بالتفاصيل والمماحكات السياسية المحلّية. كانت المفاجأة وقوف الجيش موقف المتفرّج على اقتحام وإحراق تلفزيون المستقبل، ومحاصرة قصر قريطم وترويع الآمنين. حينذاك، كانت الرئاسة قد حُسمت لسليمان بموافقة عربية وإقليمية، ولم يبقَ سوى التنفيذ الذي حصل فور توقيع اتّفاق الإذعان في الدوحة.

انتُخب العماد ميشال سليمان في 25 أيار 2008 رئيساً للجمهورية بـ118 صوتاً من أصل 128، منهياً ستّة أشهر من الشغور الرئاسي الأول في الجمهورية الثانية، في جلسة تاريخية حضرها أمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني، ورئيس الوزراء التركي رجب طيّب إردوغان، والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، ووزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، ووزراء الخارجية وبعض المسؤولين في عدد من الدول العربية والغربية.

يتبع غداً

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.