ميشال عون… أفشل «ريّس» في تاريخ لبنان (4)

145

كتب عوني الكعكي

عندما نريد ان نتحدث عن عهد الرئيس ميشال عون، لا يمكن إلا ان نتذكر ان هذا الرجل كان المعارض الدائم لاتفاق الطائف بالرغم من العروض المغرية التي عرضت عليه.

كما اننا لا بد ان نذكّر بمطالبته بالتحقيق الجنائي  الذي يعلّق فخامته امالاً كبيرة عليه، مع العلم ان هذا التقرير بحاجة الى الوقت الكافي، وهذا يعني سنوات لنصل الى نهاية المطاف، والذي يَلْفتُ إن اصرار فخامته على التحقيق، يجعلنا نسأل: لماذا لا يبدأ التحقيق بفخامته خصوصا، انه اثناء توليه الحكومة العسكرية، التي كلفه بها الرئيس امين الجميل، حوَّل مبالغ كبيرة الى فرنسا والى حساب زوجته، والمصيبة الاكبر والسؤال الطبيعي من أين جاء بهذه الأموال علماً ان  راتبه في ذلك الوقت لا يتعدى الخمسة ملايين ليرة لبنانية واللافت أيضاً ان التحويل تم من حسابه في الحازمية الى حساب زوجته في فرنسا.

نشير الى ان تقييم أي عهد رئاسي في لبنان، مهمة سياسية وإعلامية ضرورية… ففي عهد الرئيس عون، انتهاكات متكررة لروح الدستور ونصوصه. لقد انتخب عون يوم 31 تشرين الأول عام 2016… وهنا لا بد من تسجيل جملة من الملاحظات الأساسية…

فبعد نحو 30 عاما من الانتظار تقريبا، نجح العماد ميشال عون في الدخول مجددا الى قصر بعبدا، بعدما أخرج منه عام 1989. ولقد أتاح إخراج عون يومذاك، وضع اتفاق الطائف موضع التنفيذ، بعدما كان عون عطّل مفاعيله لأشهر عديدة عبر اصراره على ترؤس حكومة عسكرية، فقدت نصابها القانوني وميثاقيتها خلال دقائق معدودات من تشكيلها بسبب استقالة جميع الوزراء المسلمين منها، وعددهم نصف عدد الحكومة وهم: العميد محمد نبيل قريطم عن السنة، وكان عيّن وزيرا للخارجية والمغتربين والتربية والداخلية، والعقيد لطفي جابر عن الشيعة وكان عيّن وزيرا للموارد الكهربائية والزراعة والعدل واللواء محمود طي ابو ضرغم عن الدروز وكان عيّن وزيرا للأشغال العامة والسياحة والعمل. وظل الوزراء المسيحيون وهم الى عون الذي أخذ وزارة الدفاع والاعلام عن الموارنة، العقيد عصام أبو جمرا نائبا لرئيس الحكومة وزيرا للبريد والمواصلات والاسكان والتعاونيات والاقتصاد والتجارة عن الروم الارثوذكس والعميد ادغار معلوف عن الروم الكاثوليك وزيرا للأشغال العامة والنقل. ومن ثمّ قرّر حلّ المجلس النيابي المفترض فيه انتخاب رئيس الجمهورية، الذي تعذّر انتخابه، في حين كان مطلوبا منه، كرئيس للحكومة الانتقالية تسهيل هذه المهمة. بالإضافة الى رفضه «اتفاق الطائف» الذي كان تسوية عربية – دولية، لانهاء الحرب في لبنان وشنّه حربين داخليتين، عرفتا بـ«حرب التحرير» و«حرب الإلغاء»، ما أدى الى خسائر فادحة بشريا وماديا.

ومع هذا وعلى رغم إنهاء حالة التمرد بهرب ميشال عون «بالبيجاما» الى السفارة الفرنسية وتركه زوجته وبناته الثلاث، وترك جنوده لقدرهم… ومع مرور السنوات، انتخب عون رئيسا عام 2016 وفقا لـ«اتفاق الطائف» نفسه الذي كان قد رفضه عام 1989. وثمّة من يقول: ان الرأي العام لم يفهم حتى اللحظة، التحوّل السياسي الكبير الذي قام به عون، لاسيما الدوافع التي أدّت الى رفضه اتفاق الطائف في التسعينات، وخوضه الحملات العسكرية والسياسية والاعلامية ضده، ورفض الاعتراف بالسلطة التي انبثقت عنه… ثم تلك التي أدّت الى قبوله به في العام 2016.

لقد أصبح اتفاق الطائف، الذي جاء بعون الى رئاسة الجمهورية، جزءا من دستور لبنان الذي يفترض ان يطبّق ويُحترم من كل القوى والأطراف السياسية.

أما القول بتعديل الطائف بـ«الممارسة»، كما يتباهى مناصرو الرئيس عون، نواب كتلة «لبنان القوي»، فهو يعني عمليا المفاخرة بخرق مواد الدستور، واعادة تفسيرها وتطبيقها بما يتلاءم مع المصلحة السياسية والفئوية والحسابات الخاصة والظرفية.

ولنعطِ دليلاً على خرق الدستور، ما حصل – على سبيل المثال لا الحصر – في قضية تعيين الناجحين في مباريات مجلس الخدمة المدنية، التي عطّلها عون وكتلة صهره المدلل جبران باسيل، تحت ذريعة غياب «التوازن الطائفي». مع العلم ان المادة 95 من الدستور واضحة، وهي حصرت تأمين هذا التوازن بالفئة الأولى دون سواها. كذلك فإن هذا التوازن لم يُحترم في مباريات وزارة الخارجية، بل جرى التغاضي عنها، لأنها جاءت غير متوازنة إنما في الاتجاه المعاكس. وهذا يثبت ان الشعارات المرفوعة لا تهدف حقا الى تأمين التوازن الطائفي، بل ترمي الى تعزيز حضور فئة دون سواها، خلافا للدستور والأصول والقوانين، مع ان الشراكة ضرورية، وصيغة المنافسة، التي نصّ عليها الطائف، هي واحدة من أبرز منجزات الاتفاق التي يفترض المحافظة عليها بمعزل عن المعايير الديموغرافية.

أما تعطيل الحكومات والمؤسسات تحت حجّة «الميثاقية» الذي مارسه التيار الوطني الحر طوال السنوات الماضية، فإنه لم يطبقه في مرحلة الحكومة العسكرية التي افتقرت يومذاك الى التمثيل الإسلامي. فكيف يفسّر عون هذه الازدواجية، وَلْأَعُدِ الآن الى مراحل سياسات عهد عون:

ألف – في السياسة الخارجية… لم يسبق للبنان أن مرّ بهذا المستوى المتدني من الحضور الدولي في تاريخه المعاصر… فعدا عن التراجع غير المسبوق لعلاقاته مع عمقه العربي، أخذت السياسة الخارجية تخرج رويدا رويدا من سياسة النأي بالنفس، وصار الخطاب الرسمي اللبناني أكثر التصاقا بموقف محور الممانعة، الذي يكنّ العداء لقوى عربية ويوالي قوى غير عربية (إيران مثلاً).

باء – في السياسة الدفاعية… وعلى الرغم من ان الرئيس عون، كان وعد اللبنانيين باطلاق النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية المنتظرة، فإن هذا لم يتم.

أما الاستفادة من تجربة المقاومة فضرورة حتمية، ولكن أين سلطة الدولة على كامل أراضيها… وحق حمل جيشها السلاح وحده فقط.

إن هذا حق مكتسب للدولة، ولا يسمح للعهد بتحويل لبنان مجددا، الى ساحة لتصفية الصراعات الاقليمية، او ان يدفع هذا البلد أثمانا لا علاقة له فيها.

ج – في المجال الاقتصادي: ان الوقت الذي أهدر في مطلع الولاية، وهو يناهز السنة ونصف السنة تحت عنوان «حكومة العهد الأولى» لم تكن حكومة الرئيس الفعلية هذا الوقت كان كافياً ليعكس ما إذا كان ثمة جدية حقيقية في مواجهة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

ان شعار «الاصلاح والتغيير» لم يسلك طريقه الفعلية نحو التنفيذ.

د – في ملف الكهرباء «أم المشاكل»، فقد استنزفت هذه المسألة أكثر من 45 مليار دولار… ولا كهرباء. لقد فاخر العهد وبعض مؤيديه بشعار «العهد القوي». ولعلّ اطلاق هذا الشعار كان خاطئاً من الأساس بسبب اختلاف مفاهيم هذه القوة… فلم يعد العهد عهدا قويا، إذ انهار أمام المشاكل الكثيرة ولم يستطع صاحب العهد أن يحلّ ولو مشكلة واحدة.

إن عهد عون جاء بعد أكثر من عامين ونصف العام من تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية. جاء عهد ميشال عون بعد اصرار حزب الله عليه، وموافقة سمير جعجع «اتفاق معراب» وتنازل وطني من الرئيس الحريري للمحافظة على ما قررته القوى المسيحية.. وهنا كانت المصيبة الكبرى: فقد كان عهد عون فاشلاً تماما في لبنان:

1- عاش أزلامه على الفساد واستقووا بسلاح حزب الله.

2- تساقطت المؤسسات بيد إيران الواحدة تلو الأخرى.

3- وصل الدولار الى أكثر من عشرة آلاف ليرة لبنانية.

4- ازدياد نسبة البطالة التي لا حصر لأرقام الداخلين إليها. وأصبح معظم اللبنانيين دون خط الفقر.

5- أعلنت الشركات إفلاسها. كما هاجر مئات الآلاف من المواطنين.

6- سُيّس القضاء وعند محاولة وضع تشكيلة موضوعية له، «حبسها» عون في الادراج.

7- انفجار المرفأ وعدم التوصل الى كشف الفاعل والمسبّب لأن القضاء مسيّس.

8- تعطيل دائم للحكومات وعرقلة أعمالها لإرضاء «الصهر المدلل».

9- في هذا العهد انهار الاقتصاد ونشبت أزمة مالية حادة وفقد الخارج الثقة بالمصارف اللبنانية، بسبب عدم سداد اليوروبوند.

10- استمر في نهب المال العام من خلال الصرف على المحسوبين عليه بعدما سَرَقَ مبالغ أثناء حكومته العسكرية.

11- سقط لبنان بفضل سياسات باسيل والتيار الحر وغطّى سلاح حزب الله.

12- لبنان لم يعد يتحمّل ما تبقى من هذا العهد.

13- وقبل أن يطالب الرئيس عون بالتدقيق الجنائي، ويطالب حاكم مصرف لبنان بأسباب ارتفاع سعر الدولار الذي فاق العشرة آلاف ليرة، فَليُعِدْ فخامته ما اختلسه من أموال الدولة بين العامين 1988 و1990، حين كان رئيسا لمجلس وزراء عسكري مبتور بعد استقالة «المسلمين» منه، فهو أوّل من هرّب ودائعه المشبوهة الى الخارج.

انظر المستندين (1) و(2).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.