نبيه بري والسفير الأميركي.. مقاربة جديدة للحل اللبناني

41

بقلم دافيد عيسى

منذ اللحظات الأولى لوصول السفير الأميركي ميشال عيسى إلى بيروت، بدا واضحًا أن مهمته تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، وتحمل طابعًا سياسيًا استثنائيًا يميّزها عن معظم من سبقوه.

سفير لم تمضِ أسابيع قليلة على تسلّمه مهامه، نجح سريعًا في التمركز كلاعب فاعل في أكثر الملفات اللبنانية حساسية، ولا سيما تلك المرتبطة بالصراع مع إسرائيل، وبالعلاقة المعقّدة بين واشنطن وحزب الله، وبمستقبل الاستقرار الداخلي في لبنان.

يعتمد السفير عيسى في مقاربته على تفويض خاص من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تفويض لا يقتصر على الصلاحيات الشكلية، بل يمتد إلى آلية العمل والتواصل. فهو يرتبط مباشرة بالرئيس الأميركي، متجاوزًا القنوات التقليدية لوزارة الخارجية التي تمرّ عادة عبرها تقارير السفراء، ما يعكس الأهمية التي يحتلها الملف اللبناني في حسابات الإدارة الأميركية الحالية.

وتؤكد هذه القناة المباشرة أن واشنطن تبحث عن مقاربة مختلفة للملف اللبناني، يكون فيها السفير عيسى شريكًا في صياغة الرؤية الأميركية للحل، لا مجرد ناقل للمواقف.

ويبدو أن اختيار ميشال عيسى لم يكن صدفة، إذ ترى فيه الإدارة الأميركية شخصية مطّلعة بعمق على الواقع اللبناني، وعلى توازناته الداخلية وتشابكاته الإقليمية، وقادرة على اقتراح مسارات عملية للحل، لا الاكتفاء بتشخيص الأزمة.

من هنا، يمكن فهم الحراك اللافت الذي يقوده السفير منذ الأيام الأولى لوصوله، سواء في العلن أو خلف الكواليس، وخصوصًا في الملفات التي تحرص الولايات المتحدة على متابعتها بدقة. وفي هذا السياق، يتولى السفير عيسى متابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالتعاون مع الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، إلا أن دوره يتجاوز هذا الإطار التقني.

فالولايات المتحدة تربط أي مساعدة للبنان، سواء في المجال الاقتصادي أو في ملف إعادة الإعمار، بجملة شروط أساسية، أبرزها حصر السلاح بيد الدولة وتنفيذ الإصلاحات البنيوية المطلوبة.

وبالنسبة لواشنطن، لا تُعدّ هذه الشروط مجرد عناوين سياسية، بل المدخل الإلزامي لبناء استقرار مستدام، يترافق مع دعم فعلي للجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، بما يمكّنها من فرض سلطة الدولة على كامل أراضيها.

أما الملف الأكثر حساسية وتسارعًا في عمل السفير عيسى، فيبقى ملف التفاوض بين لبنان وإسرائيل. ورغم أن تفاصيل هذا المسار لا تزال بعيدة عن الأضواء، تشير المعطيات إلى رغبة أميركية في تحريكه بوتيرة أسرع من السابق.

فالولايات المتحدة ترى نفسها صاحبة القرار المركزي في الشرق الأوسط، فيما تعتبر إسرائيل شريكًا أساسيًا يعمل ضمن الإطار الاستراتيجي الأميركي العام، ما يجعل من دور عيسى عنصرًا محوريًا في تهيئة المناخ السياسي اللازم لفتح باب تفاوض فعّال.

في هذا السياق، يبرز الدور المحوري لرئيس مجلس النواب نبيه بري، إذ تعتبر واشنطن أن أي تفاهم معه يشكّل مدخلًا أساسيًا للتفاهم مع حزب الله، وبالتالي خطوة ضرورية لدفع الحل اللبناني إلى الأمام. فرئيس المجلس يُنظر إليه على أنه يمسك بمفاتيح أساسية داخل الثنائي الشيعي، وإن كان يتحرّك ضمن هوامش دقيقة تحكمها طبيعة العلاقة مع حزب الله.

وهذا ما يفسّر الأهمية الخاصة للقاءات التي تُعقد في عين التينة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والسفير ميشال عيسى، رغم ما يحيط بها من كتمان شديد.

وقد أُضيف في الأسابيع الأخيرة عنصر جديد إلى هذا المشهد، تمثّل في الزيارة التي قام بها المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب، علي حسن خليل، إلى إيران موفدًا من بري.

وهي زيارة فتحت الباب أمام دينامية إقليمية جديدة، يُرجّح أن تنعكس على مسار التفاوض وعلى مقاربة إيران لأي ترتيبات محتملة في لبنان.

ومن هنا، يتبيّن أن حركة السفير الأميركي ميشال عيسى لا تقتصر على الساحة اللبنانية، بل تتقاطع مع مسار إقليمي أوسع قد يحمل تأثيرات ملموسة في المرحلة المقبلة.

ورغم هذا الزخم في الحركة الأميركية، تدرك واشنطن أن الطريق إلى الحل ليس سهلًا، وأن الشرق الأوسط يبقى ساحة مفتوحة على المفاجآت والتعقيدات. فالتسوية التي تسعى إليها الولايات المتحدة في لبنان قد تصطدم بعراقيل داخلية أو بتوترات إقليمية غير محسوبة. ومع ذلك، تبدو إدارة ترامب مصمّمة على المضي في محاولة إنجاز حل بأسرع وقت ممكن، انطلاقًا من اعتبار لبنان جزءًا من مشهد إقليمي أوسع يجري العمل على إعادة رسم معالمه.

في الخلاصة، يتحرّك السفير ميشال عيسى وفق رؤية واضحة المعالم: ضغط سياسي حيث يلزم، واستثمار للعلاقات حيثما أمكن، وسعي لجمع أكبر قدر من الأوراق لدفع الأطراف اللبنانية نحو تسوية تضع حدًا لحالة الجمود، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار. ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا وشائكًا، إلا أن الدبلوماسية الأميركية تبدو عازمة على استكمال هذا المسار، مستندة إلى سفير يحمل تفويضًا استثنائيًا، وإلى رغبة واضحة في الانتقال من إدارة الأزمة اللبنانية إلى محاولة حلّها.

دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.