هوامش – بقلم ميرفت سيوفي – أوهام حكوميّة

96

يترقّب اللبنانيّون كلّ عام دخول فصل الخريف، يسرق بمدارسه وتلاميذه وأقساطه وكتبه وهج السياسة اللبنانيّة التي تزداد كآبة ومرضاً عاماً بعد آخر، جاء الخريف اللبناني ويد الناس في مناطق بيروت المدمرّة على قلوبها من «طرفه المبلول» بأوّل شتوة فالبيوت المتصدعة لا تتحمل الشتاء الجدران ستوقعها نسمة ريح، وفوق هذه الهموم يحمل اللبناني حكومة الحكومة المرتقبة التي توضّحت صورة معرقلي تشكيلها، وبصرف النّظر عن «انتحار» الرئيس سعد الحريري السياسي وإراقة ماء وجهه منعاً لإراقة ماء وجه الرئيس الفرنسي أيمانويل ماكرون ومحاولة إنقاذ مبادرته من السقوط على الأرض اللبنانية بالضربة الإيرانيّة القاضية، ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كان عرض الحريري سيلقى تجاوباً أم لا، ثمة سؤال يطرح نفسه: ما الذي سيكون بإمكان هذه الحكومة أن تفعله؟

يطرح المواطن اللبناني ألف علامة استفهام تستدرجه إلى سلسلة من حلقات مفرغة لأسئلة لا أجوبة لها، وماذا سيكون باستطاعة حكومة مصطفى أديب أن تفعله؟ لماذا يتمّ الاستخفاف بعقل اللبناني إلى هذا الحدّ؟ هل ستستطيع هذه الحكومة إجراء سلسلة الإصلاحات المطلوبة دولياً؟ هؤلاء الوزراء المستقلّين الآتين من دون خطّة جاهزة لتنفيذ الإصلاحات حتى ولو سلّم لهم صندوق النقد الدولي خطّة مفصّلة على قياس لبنان وجاهزة للتنفيذ من سينفّذها؟ من يستطيع الدخول إلى مغارة شركة الكهرباء، من يستطيع أن يخفّف عنها عبء جيش من الموظفين والمياومين ملحقين بهذه الوزارة؟ من يستطيع أن يأخذ قشّة من طريق مافيا الفيول ومولدات الكهرباء، كيف ستستطيع هذه الحكومة أن تمنع هذه المافيا من إدخال البلاد في الظلام بانقطاع التيار الكهربائي وخلق أزمة محروقات؟ سيكون بين يديها خطة لكنّها حكومة لا تملك آلية ولا أدوات تطبيق أي إصلاح في أي وزارة حتى!

تطالب الدول لبنان بإصلاح وهو أمر مستحيل، يعتقد الأوروبيّون أن أي وزارة في لبنان مترهلة بالإمكان إصلاحها عبر تشحيل أعداد الموظفين فيها وتقليص نفقاتها، لأنّ الأوروبيين لا يفهمون ببساطة أنّ الدولة ومؤسساتها بنيتها منذ نشأتها عبارة عن «حشوة» من الطوائف والأزلام وإذا اتخذ قرار بتسريح موظّف ستقوم قيامة طائفته وستلوح الفتن الطائفيّة في الأفق، الإصلاح الإداري كان واحداً من العناوين الكبرى التي جاءت بها أولى حكومات الرئيس الراحل رفيق الحريري حاول فعلاً أن يقوم بإصلاح إداري فكانت النتيجة أن دفع الثمن بضعة أبرياء في بعض الوزارات من طائفة الرئيس الحريري وعندما حاول الإقتراب من بضعة موظفين محسوبين على حركة أمل قامت القيامة وانتهى الإصلاح مات وقبر وصرف النظر عنه… وما حدث في تسعينات القرن الماضي سيحدث ألعن منه هذا إن استطاعت حكومة مصطفى أديب أن تفترض خطة إصلاح، مع ملاحظة أنّ الرجل يأتي إلى رئاسة الحكومة مجهولاً وغير معروف ولا موثوق ما هي المواصفات التي ساهمت في تغليب اسمه لمنصب رئيس الحكومة!

بشفافيّة شديدة، يجرّب الفرنسيّون دائماً في الوقت الضائع الأميركي، سبق وعشنا محاولاتهم التي قادت لبنان إلى كارثة عامي 1989 و1990، وأغلب الظنّ أن مبادرة الرئيس الفرنسي ستنتهي بالفشل حتى لو تشكّلت حكومة مصطفى أديب سيكون صعباً عليها أن تنجز أي مهمّة، صحيح أن الفرنسيين أنشأوا عام 1920 دولة لبنان الكبير، ولكنّهم لا يعرفون في أي مجاهل أصبحت دولته المخردقة بنيتها بالطوائف والمذاهب والميليشيات، فبأي إصلاح يأملون، لبنان يحتاج إصلاحاً يهدّ كلّ شيء ثم يعيد بناءه من جديد قطعة قطعة و»على نضافة»، وليبدأوا من الرؤوس فبعدهم سيكون أمر الأذناب أهون ما يكون.

ميرفت سيوفي

‏m _ syoufi@hotmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.