هوامش – بقلم ميرفت سيوفي- مؤتمر دولي

54

كأنّنا عشية 1976 في عزّ الحرب الأهليّة والصّراع يدور حول انتخاب رئيس جمهوريّة للبلاد، مجدّداً يُكرّر اللبنانيّون نفس المطالب ونفس الأخطاء ونفس الممارسة الصبيانيّة السياسيّة، “تدويل الأزمة” كانت تلك الكلمة الأقوى والأكثر تداولاً في عامي 1975 و1976، ومثل اليوم تماماً كان الانقسام بين رافض للتّدويل ومطالب به ومصرّ عليه صراخاً في وادٍ عميق لم يوصل إلى أي نتيجة، ومجدّداً، اليوم وفي عزّ انصراف العالم عن لبنان وشؤونه المملّة منذ أكثر من خمسين عاماً يعتقد كثيرون أنّ مطالبة البطريرك بشارة الراعي الأمم المتحدة بإنقاذ لبنان عبر عقد مؤتمر دولي بسبب فشل مجلس النواب في انتخاب رئيس للجمهورية وفشل الحوارات الداخلية، ويؤكّد البطريرك أنّه “لا نجد حلاً إلا بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي خاص بلبنان يعيد تجديد ضمان الوجود اللبناني المستقلّ والكيان والنّظام الديموقراطي وسيطرة الدولة وحدها على أراضيها استناداً إلى دستورها أولًا ثم إلى مجموع القرارات الدولية الصادرة بشأن لبنان” منذ شباط العام 2021 يكرّر البطريرك دعوته، وتكرّر مجموعة النّاطقين بلسان إيران وذراعها العسكري في لبنان “أسطوانة” التّخوين والتآمر على المقاومة ويصرّ حزب الله على فرض تعيين رئيس للجمهوريّة دوره فقط حماية ظهر هذه المقاومة!

عشيّة مطلع أيّار العام 1976 كان وضعنا أفضل من اليوم بعشرات المرّات لأنّ اللبنانيين والعرب وأوّلهم سوريا ومعهم القوى الدولية الكبرى جميعها وعلى رأسها واشنطن كانوا منشغلين بإدارة معركة انتخاب رئيس للجمهورية بالرّغم من الحرائق والدّمار والخراب، يومها رشّح العميد ريمون إده نفسه لمنصب الرئيس وأعلن رئيس الحكومة رشيد كرامي ترشيح حاكم مصرف لبنان الياس سركيس لرئاسة الجمهورية، ولم يخفِ الرئيس شمعون رغبته في خوض المعركة، وأعلن الشاعر سعيد عقل في مؤتمر صحافي ترشيح نفسه أيضاً للرئاسة، على أن المرشحين الأبرز بقيا الياس سركيس وريمون إده، خصوصاً بعد ان أعلن كمال جنبلاط والأحزاب اليسارية دعمهما لترشيح هذا الأخير، أمّا سركيس فكان المرشّح المدعوم بالرّغبة السوريّة..

بالرّغم من أهوال الحرب كان العالم مهتماً لأمرنا ولم يتركنا لوحدنا كما اليوم. وصل إلى لبنان في الأوّل من أيّار المبعوث الأميركي دين براون بشكّل مفاجئ ليتابع المهمة التي كلفه بها الرئيس جيرالد فورد في لبنان، وقد اجتمع براون مع جميع الأطراف من دون أن يفصح عن موقف الإدارة الأميركية بالنسبة لمرشحها لرئاسة الجمهورية، وتخيّلوا أنّ مصطلح “مرشّح تحدّي” مطروح منذ تلك الأيّام إذ استخدم هذا المصطلح الرئيس أمين الحافظ معتبراً أنّ “كلا من المرشحين- إده وسركيس- أصبح مرشّح تحدٍّ لا يقبل من الفريق الآخر، وأنه كي ينجح أي مرشّح يجب أن يكون منسجماً مع المبادرة السورية”، وعلى إيقاع صوت القصف وتساقط القذائف كان الرئيس يُعيّن فقد اجتمع المجلس النيابي وسط أجواء حرب حقيقية يوم السبت في 8 آذار 1976 وانتخب المرشح الوحيد الياس سركيس رئيساً للجمهورية اللبنانية.

قد يكون أفضل من اختصر الواقع اللبناني في ذلك الوقت هو الأمين العام لجامعة الدول العربية محمود رياض الذي قال: “إنّ المشكلة في لبنان ليست في اختيار رئيس جديد، بل في إقامة دولة لها مقومات الدولة”، وحتّى اليوم وبعد أن انفضّ العالم من حولنا ونفضت الدّول الرّاعية العربيّة والغربية أيديها من لبنان ومن كذب سياسيّيه بعد سأمهم من تكرار نفس الصراعات والخيانات والمؤامرات على وطنهم وتسليمه من محتلّ إلى محتلّ آخر، ومن جديد يجد اللبنانيّون أنفسهم أمام تصارع الموارنة بين بعضهم البعض فشهيّتهم مفتوحة دائماً على رئاسة الجمهوريّة ودائماً ما يجدون محتلاً ما يضع رئيساً على بلد لا رأس له إلا رأس المحتلّ وأذنابه!

‏m_ syoufi@hotmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.