واشنطن تبيع حلفاءها والعرب في غيبوبة ٢/ ٢

70

عماد الدين أديب “أساس ميديا”

ظهر الغضب الأوروبي من الطعنة الأميركية – البريطانية – الأسترالية في تصريح مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل : “إنّ اتّفاقاً من هذا النوع لم يجرِ إعداده أمس الأول. إنّه يستغرق وقتاً. لم يتمّ إبلاغنا به، ولم تتمّ استشارتنا حوله”.

الشيء عينه تكرّر في الانسحاب من فيتنام الجنوبية، الذي تمّ من دون تنسيق مع الحكومة الموالية. وتكرّر مع شاه إيران الذي أرسل له جنرالٌ أميركيّ صديقٌ نصيحةً بمغادرة طهران. وحدث مع الرئيس حسني مبارك حينما تمّ إرسال سفير أميركي سابق يبلغه بضرورة التنحّي. وحدث مع حكومة كوريا الجنوبية حينما اكتشفت حوارات سرّية بين إدارة ترامب وزعيم كوريا الشمالية. وحدث أخيراً عندما انسحبت واشنطن من كابل من دون أن تخبر المتعاونين معها بتاريخ الانسحاب وترتيباته.

ها هي واشنطن تراهن على بريطانيا، التي انسحبت من الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أنّ بايدن ظلّ يردّد في جولته الرئاسية دعم وإحياء العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

وها هي واشنطن تبيع فرنسا ذلك الحليف الذي قاتلت من أجله ومن أجل تحريره على شواطئ النورماندي في الحرب العالمية الثانية.

وقبل ذلك اكتشفت السيدة أنجيلا ميركل أنّ أجهزة الاستخبارات الأميركية قامت باختراق أجهزة اتصالاتها الشخصية للتجسّس عليها.

وها هي واشنطن تسعى الآن إلى إبرام اتفاق مع إيران بأيّ ثمن مختلفةً في ذلك مع تل أبيب التي ترفض مبدأ تنظيم القدرة النووية الإيرانية، بل تصرّ على إنهاء المشروع النووي الإيراني نهائيّاً.

باختصار، نحن في عصر الجميع يبيع الجميع، من أجل مصالح ذاتية انتهازية غير مبدئية وغير أخلاقية.

المذهل أنّ كلّاً من البيت الأبيض وعشرة داوننج ستريت يعتبران أنّ الصفقة ليست موجّهة ضد أيّ حليف، لكنّها تهدف إلى تحقيق الاستقرار في تلك المنطقة، كأنّ شيئاً لم يحدث، وكأنّ لندن وواشنطن لم تقوما بقرصنة اتفاق الغواصات من باريس.

اللاعب العربي الأكثر تفهّماً لهذه المتغيّرات الجوهرية هو الشيخ محمد بن زايد الذي كان موجوداً في المكان المناسب في توقيت عبقري، إذ كان في باريس ولندن في ساعات الإعلان عن صفقة الغواصات الأسترالية.

كان وليّ عهد أبوظبي لدى الخاسر (ماكرون) كي يعقد معه اتفاقات تجارية وعسكرية بأفضل الشروط، أو كان مع الفائز (جونسون) كي يدعم مصالح بلاده مع حليف استراتيجي لدولة الإمارات منذ عام 1971.

ثلاثة أمور جوهرية علينا أن نعكف على استيعابها الآن:

1- فهم حقيقة قواعد اللعبة القائمة على دراسة معهد “راند” الأميركي التابع لوزارة الدفاع الأميركية، الذي يسمّي سياسة واشنطن الجديدة “بالواقعية الجديدة”.

إنّها واقعية لا علاقة لها بشخص الرئيس ولا بنوعيّة حزبه. إنّها سياسة تقوم على التخلّي عن أيّ سياسة، وبيع أيّ حليف، ومصادقة أيّ عدو، ما دام ذلك سيؤدّي إلى تعطيل صعود بزنس وقوى بكين وموسكو.

2- إيجاد قوى العالم العربي، وبالذات القوى المعتدلة الأساسية فيه (مصر، الإمارات، السعودية، الأردن، المغرب، البحرين والسودان)، لنفسها مكاناً ومكانةً في المعادلة الدولية الجديدة لعالم مرتبك في حالة سيولة جديدة يعيد تشكيل نفسه متجاوزاً اتفاقات سيفر وسايكس بيكو وفيينا ولندن وفيلا ديفنتوك، وما بعد سقوط حائط برلين، واتفاقات الصواريخ مع موسكو، والتجارة مع الصين.

كلّ تلك الاتّفاقات الآن في مهبّ الريح، وهناك اليوم سعي دؤوب إلى زواج جديد بعقد ومهر جديدين!

3- الخروج الأميركي من المنطقة، الذي سيؤدّي إلى انعدام نفوذ وارتباك قوى وخلل في التوازنات، يجب أن لا يتمّ ملؤه بواسطة قوى غير عربية (تركيا، إيران، إسرائيل) وأدواتها المحلية.

هذا الفراغ يجب أن تملأه قوى الاعتدال العربي بقوّة.

إن لم نفهم ما يحدث، وإن لم نتحرّك، هلكنا وتحوّلنا إلى دويلات مستضعَفة فاقدة الإرادة خارج التاريخ.

هذه هي الولايات المتحدة سابقاً، وتلك هي إدارة بايدن الحالية قامت بتسمية التخلّي عن الحلفاء ربيع الأصدقاء، والمزايدة على المصالح الاستراتيجية تحت مسمى علمي هو “الواقعية الجديدة”، والمهم أن نفهم قواعد اللعبة الجديدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.