والمسؤولية الأولى… أميركية

64

يحمّل وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو النظام الايراني المسؤولية عن الانتفاضة الكبيرة في العراق والثورة في لبنان، في إشارة الى ان هذين التطورين البارزين هما رداً على ما أدى تدخل طهران في البلدين العربيين الى تدهور وفقر الخ…

إنني أتفق معه كثيراً… ولكن من أوصل إيران الى أن تتحكم بلبنان والعراق وسواهما من البلدان العربية؟

ولنبدأ بالعراق: مَن هو الذي غزا العراق في العام ٢٠٠٣؟ أليْس الاميركي متخذاً ثلاث ذرائع واهية لتبرير ما لا يمكن تبريره من تدخل أدى الى سقوط الملايين من الشعب العراقي قتلى، كما ان نهر الدماء لم يجف بعد في بلاد الرافدين.

الذريعة الاميركية الاولى كانت أسلحة الدمار الشامل التي زعم جورج بوش انها موجودة لدى الرئيس الراحل صدّام حسين، وانها تشكل خطراً على إسرائيل ولا بدّ من تدميرها.

والذريعة الثانية كانت الارهاب المتمثل يومذاك بـ»القاعدة» بقيادة اسامة بن لادن، وبالتالي يجب اجتثاث الارهاب من جذوره، أو من حيث هي متواجدة بقواعد ثابتة اي في العراق.

والذريعة الثالثة هي إقامة الديموقراطية في نظام عراقي برلماني يجب ان يقيمه الاميركي في العراق…

وهذه الذرائع الثلاث سقطت جميعها على ارض الواقع، فقد ثبت أنّ الجيش العراقي لم يكن يملك حتى الحدود الدنيا من السلاح الدفاعي جراء العقوبات التي كانت واشنطن قد فرضتها على بغداد، وعلى تصدير النفط العراقي بالذات.

وثبت ايضاً انه لم يكن ثمة وجود في العراق للإرهاب لا إرهاب «القاعدة» ولا أي إرهاب آخر… إلاّ ان الارهاب دخل العراق وعشش في كل مدينة وشارع بعد الغزو الاميركي… وطوال سنوات كانت الجثث تناثر جرّاء العمليات الارهابية بمعدّل يراوح ما بين خمسين ومئة ضحية يومياً.

كما ثبت أخيراً وليس آخراً أنّ العراق لم يعرف من الديموقراطية شيئاً في ظل وجود الاحتلال الاميركي والحكومات التي نصّبها هذا الاحتلال، ومعظمها موالٍ لإيران التي امتصّت خيرات العراق وقضت على مقوّمات الدولة فيه ودمّرته كبلدٍ كان عنواناً للقوة والمنعة والصمود والعروبة خصوصاً.

والأنكى من هذا كلّه أنّ الرئيس جورج بوش الابن كان يعرف الحقيقة بدليل ما نشره مدير المخابرات المركزية الاسبق (في عهده) جورج تينيت الذي ذكر بوضوح انه زار البيت الابيض وأبلغ الرئيس بوش انه لا سلاح دمار شامل في العراق، ولا «قاعدة» أو أي إرهاب آخر، ومع ذلك ركب رأسه وأصر على الغزو، وعلى استهداف العراق كما بدا من القرار الأوّل الذي اتخذه حاكم العراق (بول برايمر) بحلّ الجيش العراقي والدفع الى الشارع بمليون ضابط وجندي أي قطع الارزاق عن نحو خمسة ملايين عراقي باتوا فريسة سهلة للإرهاب والفوضى.

وفي لبنان لم يكن من حضور لـ»حزب الله» قبل العام ١٩٨٢، عام الاحتلال الاسرائيلي الذي استمر ١٨ عاماً (حتى ٢٥ ايار ٢٠٠٠)… وكان طبيعياً أن تنشأ المقاومة وتنمو وتعزز وجودها… فتلقفتها إيران التي كانت قد سرقت شعارات القدس وعلم فلسطين… وبالتالي لولا تشجيع أميركا لإسرائيل على عمليتها العدوانية لاحتلال جنوب لبنان حتى العاصمة، لما كان لإيران هذا الدور في لبنان.

وأخيراً، صحيح أنّ إيران وراء ما آلت إليه الحالتان في العراق ولبنان، ولكن المسؤول الأول عن تعاظم الدور الايراني هو ما قامت به الولايات المتحدة الاميركية وأدى الى هذه الويلات والمصائب وحفّز الثورتين في لبنان والعراق على الانطلاق بهذا الزخم وهذه القوة.

عوني الكعكي

aounikaaki@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.