وجع شهر أيلول الدراسي الأسود: إرحموا جيوبنا!

13

نحار من أي نبدأ الكتابة عن أزمات وطن لا ذنب له إلا أن بعض من يديرون دفة الحكم فيه، تماما كما القابضين على مفاصل الشأن العام والأمور المتصلة بقضايا الناس وحقوقهم البديهية، المفترض أن تؤمنها أي دولة تحترم نفسها وشعبها، لا ينفكون يديرون «آذانهم الصماء»، عن أنين شعب لا يرى فيه بعض المسؤولين إلا «بقرة حلوبا» يحلو لهم الاجهاز المركز على مقدراتها.. وجيبها.

ففي دولة لبنان «الكبير» التي تستعد لعام احتفالي تطفئ في نهايته شمعة تخلّد قرنها الأول، انتفت الحاجة إلى المضي في التذكير بأن شعبا بكامله لا يزال ينتظر القرار الرسمي لإطلاق مسار تأمين التيار الكهربائي على مدار الساعة، بعد أكثر من ثلاثين عاما على انتهاء الحرب الأهلية. ولعل الأدهى، كي لا نقول الأنكى باللغة العامية، أن سوء الادارة وغياب الحكومة الرشيدة التي صارت ثوابت في دول العالم المتحضر، بلغ بطموح الناس وانتظاراتهم من الدولة، الحضيض… إلى حد أن مجرد كنس النفايات من الشوارع وطمرها صحيا في الأماكن المناسبة بات يصنف في خانة الطموح الشعبي، والانجاز الذي لا يخجل المسؤولون في الاعتداد به…  في زمن الأقوياء.

1 Banner El Shark 728×90

لكن كل ما سبق في كفة… وشهرا أيلول وتشرين في كفة أخرى… ذلك أن في لبنان، الذي شارك عبر أحد رجالاته العظام، الفيلسفوف والديبلوماسي الفذ شارل مالك، في وضع الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي يصون الحق في التعليم، يكاد يتحول ترفاً لا لشيء إلا لأن بعض القيمين على القطاع التربوي يغلب عليهم الطمع والجشع ولا يشفيهما إلا المساس بجيوب الأهل، في وضع اقتصادي قد لا يكون وطن الأرز قد عاش أسوأ منه في قرنه الأول. ففي وقت يكد المواطنون يوميا للدفع بعجلة الاقتصاد، والاستمرار في النضال في سبيل تأمين لقمة الخبز والعيش الكريم، تنزل الأقساط المدرسية وملحقاتها عليهم بأرقام ضخمة ومضخمة كالصاعقة. كل هذا من دون أرقام خيالية أيضا تدفع للقرطاسية وكتب قد لا يستخدم الطلاب نصفها في خلال العام الدراسي. يجري كل هذا في لبنان. نعم في لبنان.. حيث يعيش الانسان فعلا من «قلة الموت»، بدلا من أن تفتح له آفاق الازدهار والتخطيط لمستقبل زاهر يليق بطموح الشباب وانتظارات الأهل.

ولتفسير هذه الصورة القاتمة في أيلول الدراسي الأسود، لا يمكن إلا أن نجد تفسيرا واحدا: تدرك السلطة في لبنان أنها أمام عجز مالي مخيف ووضع اقتصادي مرعب. غير أنها، وفي غياب السياسات العامة الرشيدة، لا تكلف نفسها عناء البحث عن الحلول المستدامة بل تكتفي بالمخارج السريعة والآنية، وعلى رأسها، جيوبنا التي لا تكاد تمتلئ حتى تفرغها الضرائب، الهادفة إلى تمويل سلسلة الرتب والرواتب، أي رواتب الأساتذة من جيوب الكادحين في قطاع خاص، لولاه لما قام اقتصاد لبناني أصلا. غير أن هذه الصورة لا يجوز أن تغيب عن البال وقد يكون الأهم: تمول الدولة من جيوبنا سلسلة الرتب والرواتب لصالح الأساتذة في القطاعين العام والخاص، فيما هي تعرف تماما مكامن الهدر والفساد والتهريب، الذي يكفي لتمويل عشرات السلاسل، لكن الأولوية دائما للترقيع.

أمام هذا المشهد، لا يسع المواطن الكادح في وطن قد لا يبادله الجميل يوما إلا توجيه هذه الرسالة إلى من يعنيهم الأمر: إرحمونا وارحموا جيوبنا! تعرفون الحل والحل يحرركم: إبدأوا بمكافحة جدية للهدر في المرفأ قبل الانقضاض على أموالنا، ومولوا بذلك مئات السلاسل لامتصاص نقمة الاساتذة، بعيدا من المساس بنا، نحن الذين لا تشملنا الزيادات، بل الضرائب فقط… ولا تنسوا خطوة قد تكون الأسهل: تحسين وضع المدارس الرسمية.. لتليق بأطفالنا و… أطفالكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.