إختفاء ملف قضائي في المحكمة الكاثوليكية: من يحمي الحقوق ومن يحاسب؟
بعد سنوات طويلة من المعاناة في ملفي أمام محكمة الكاثوليك الروحية، وبعد سلسلة من الوقائع والإجراءات التي أثارت لديّ علامات استفهام جدية حول سلامة مسار هذا الملف وعدالة الإجراءات المتخذة فيه، أجد نفسي اليوم أمام تطور بالغ الخطورة يتمثل في اختفاء ملف الدعوى كاملاً، وليس مجرد فقدان بعض الأوراق أو المستندات.
إن اختفاء ملف قضائي لا يمكن التعامل معه كحادث إداري عابر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف حساس حمل طوال سنوات حقوقاً وادعاءات وطلبات ومستندات يفترض أن تكون محفوظة بعناية فائقة، لأن الملف القضائي ليس أوراقاً عادية، بل هو الذاكرة الرسمية للقضية والضمانة الأساسية لحقوق المتقاضين.
وما يزيد من خطورة هذه الواقعة أنها تأتي بعد سوابق مقلقة في التعامل مع هذا الملف، إذ سبق أن تم سحب بعض الأوراق منه وتصويرها قبل إعلان الأعمال، الأمر الذي أثار في حينه تساؤلات حول كيفية التعامل مع مستندات يفترض أن تبقى محفوظة ومصانة ضمن الملف القضائي. كما أن غبطة البطريرك كان قد طلب من القاضي السابق عدم ترك الملف في المحكمة، إدراكاً منه لحساسية هذا الملف وضرورة الحفاظ على سلامته.
واليوم، وبعد كل ذلك، أتفاجأ باختفاء الملف بأكمله. فالقضية لم تعد فقط معرفة ما إذا كان الملف سيُعثر عليه أم لا، بل أصبحت تتعلق بأسئلة جوهرية لا يمكن تجاوزها:
كيف اختفى ملف قضائي كامل؟
أين كان محفوظاً؟
من كان مسؤولاً عن حفظه؟
من كانت لديه إمكانية الوصول إليه؟
وكيف يمكن ضمان حقوق المتقاضين إذا كانت ملفاتهم عرضة للفقدان دون تفسير واضح؟
وهل سيعود الملف كما كان بكل مستنداته واوراقه؟
أمام هذه الواقعة، طلبت تسجيل ما حصل على المحضر الرسمي، إلا أن طلبي قوبل بالرفض، الأمر الذي زاد من مخاوفي حول غياب الضمانات التي يفترض أن يتمتع بها كل متقاضٍ، واكد الحاجة إلى تدخل مرجعية أعلى لضمان احترام أبسط حقوق الدفاع وإثبات الوقائع التي تحصل أثناء سير الدعوى.
إن القول لاحقاً إن الملف قد وُجد لا يشكل جواباً كافياً، لأن العثور عليه لا يمحو واقعة اختفائه، ولا يلغي ضرورة معرفة ملابسات ما حصل وتحديد المسؤوليات. فالعدالة لا تقوم فقط بإيجاد الأوراق بعد فقدانها، بل تقوم بمنع ضياعها أصلاً، وبضمان أن تكون إجراءات المحاكمة محاطة بكل معايير الأمان والشفافية.
إنني أؤكد اليوم أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بملفي الشخصي، بل أصبحت تتعلق بمبدأ من يحاسب عند حصول الإهمال أو أي خلل داخل المحاكم الروحية؟ ومن يراقب حسن سير العدالة فيها؟ ومن ينصف المتقاضي عندما يشعر بأن حقوقه لم تعد محمية؟
لقد فقدت الثقة باستمرار هذه المحكمة في النظر في ملفي بعد تراكم سلسلة من الوقائع التي جعلتني أشعر بأنني لا أواجه فقط خلافاً قضائياً، بل منظومة إجراءات لم تؤمّن لي الاطمئنان إلى عدالة المسار. ولذلك، فإنني أعلن تحفظي على استمرار هذه المحكمة في البت في قضيتي.
ومن هنا، أرى أن الوقت قد حان لتدخل السفير البابوي لمتابعة هذا الملف، ليس باعتباره قضية فردية فقط، بل باعتباره مؤشراً يستوجب التوقف عنده، ومراجعة كل ملف تثار حوله علامات استفهام جدية حول حسن سير العدالة.
إن حماية هيبة القضاء الكنسي لا تكون بالصمت عن الأخطاء أو تجاوزها، بل بمواجهتها بشجاعة، والتحقيق فيها، وتصحيح الخلل. فالكنيسة التي تحمل رسالة الحق والعدل والرحمة مدعوة لأن تضمن أن تكون مؤسساتها القضائية نموذجاً في النزاهة والشفافية واحترام كرامة الإنسان.
وعليه، أطالب بتحقيق شفاف ومستقل في ملابسات اختفاء ملفي، من قبل اختصاصيين من خارج المحكمة، من اجل كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات التي تمنع تكرار مثل هذه الوقائع، لأن العدالة لا تُصان بالشعارات، بل بحماية حقوق الناس، وحفظ ملفاتهم، وضمان أن لا يكون أي متقاضٍ وحيداً في مواجهة الظلم أو الإهمال ….
(يتبع)
المواطنة ج. غ
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.