إيران تبكي على أطلالها

7

كتب عوني الكعكي:

يعلم القارئ – ولا شك – الشعارات التي رفعتها الجمهورية الإسلامية في إيران، منذ ثورة الخميني وحتى وقت ليس ببعيد، المتمثلة في «الموت لأميركا» و «الموت لإسرائيل»… و «أميركا هي الشيطان الأكبر» و «إسرائيل هي الشيطان الأصغر».

وها هي إيران اليوم وبعد الضربات الإسرائيلية الموجعة للجمهورية الإسلامية، وبعد دكّ معاقل مفاعل: «فوردو ونطنز وأصفهان» وخروجها من الخدمة الى وقت لا يعرفه إلاّ الإيرانيون أنفسهم… وبعد مقتل عدد كبير من العلماء نذكر منهم: محمد مهدي انشتي، عبد الحميد منشهر، أحمد رضا ذو الفقاري، أمير ناخاهي، أكبر زاده ومنصور اصغري وغيرهم.

الى اغتيال عدد كبير من كبار قادة الحرس الثوري مثل حسين سلامي، ومحمد باقري، وغلام علي رشيد وغيرهم… نجد أنّ إيران تتوسّل أميركا وأوروبا وتغازل ترامب لإعادة البحث في ملفها النووي الذي أبرمه باراك أوباما وألغاه الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى.

وهذا ما يذكّرني بما اعتاد عليه شعراء العصر الجاهلي البكاء على الأطلال آخذاً بقول طرفة:

لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمد/ تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

فلو كانت إيران صادقة في مواقفها السابقة، لما كان الاتفاق النووي اليوم معلقاً على خيط ديبلوماسي.

إنّ حرب الأيام الـ12، التي أضرّت بالبرنامج النووي بشدّة، ألحقت ضرراً بالغاً بتصوّر الأمن الإيراني الذي أُسّس على ركيزتين أساسيتين:

الأولى: التقدّم التدريجي والأمن نحو مكانة على عتبة امتلاك القدرة النووية، تمهيداً لاتخاذ قرار محتمل بشأن إنتاج سلاح نووي.

الثانية: عقيدة الوكلاء، أي الجهات الإقليمية التي كان يفترض أن تشكّل تهديداً مباشراً لإسرائيل، وتردعها عن مهاجمة إيران.

لقد كشفت الضربة الإسرائيلية – الاميركية للبرنامج النووي فشل الركيزتين الأولى والثانية، في ظلّ الأوضاع التي نشأت بعد الحرب الإسرائيلية ـ الإيرانية.

هنا لا بدّ للنظام في إيران من أن يعيد التفكير في جميع جوانب سياسته، غير أن السياسة في المجال النووي هي الأكثر إلحاحاً.

ويبدو التناقض في الموقف الإيراني، ما أعلنته الجمهورية الإسلامية عقب الهجوم على البرنامج النووي. إذ أعلنت وقف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع التشديد (وهنا يبدو التناقض واضحاً) على أن هذا لا يعني الانسحاب من معاهدة انتشار الأسلحة النووية (NPT). علماً بأنّ غياب التعاون مع الوكالة يضر بإيران، وعليه، نُظمت زيارة لوفد من الوكالة برئاسة نائب المدير العام استمرت يوماً واحداً فقط (11 آب/أغسطس)، وهدفت الى بلورة  معايير استمرار الرقابة على الأنشطة النووية. هذا وأوضحت إيران مسبقاً أنها لن تسمح للوفد بزيارة المواقع النووية (تناقض ثانٍ).

وهنا أقول إنّ إيران، وحتى هذه اللحظة، لا يزال موقفها غير واضح الى أي اتجاه ستكون علاقتها مع الوكالة، في ظلّ الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمواقع النووية.

أعود فأقول: إنّ هذا الإطار الضاغط، والذي أنتجته تصرفات النظام الخاطئة، يواجه المنظومة السياسية والأمنية الإيرانية. وهي تحاول في الوقت نفسه التعامل مع التداعيات العسكرية والسياسية للهجوم الإسرائيلي.

في ظلّ أزمة اقتصادية شديدة، قد تكون الأشد منذ عقود، وهي تكشف بالتالي عجز النظام عن ضمان تزويد السكان بإمدادات منتظمة من المياه والكهرباء. وعلى هذه الخلفية جاءت خطوات النظام حتى الآن على النحو التالي:

– إظهار استمرار الأعمال كالمعتاد، ويتجلّى ذلك في زيارات لكل من روسيا والسعودية والصين. بينما يزور الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان باكستان، كما زار وزير الدفاع روسيا، وقبلها الصين، حيث شارك في اجتماع وزراء دفاع منظمة شنغهاي.

– خطوات تنظيمية أولية، لتحسين الاستعدادات الأمنية، تحسّباً لسيناريوهات تصعيد محتملة في المستقبل. وقد تمّ استبدال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر أحمديان بعلي لاريجاني، الذي شغل هذا المنصب في 2005 و2007، وقاد خلالها المفاوضات النووية مع الدول الأوروبية، ثمّ تولّى لاحقاً رئاسة البرلمان ثلاث دورات متتالية.

– تعزيز القمع الداخلي وتشديد الرقابة على الجهات التي تشكل تهديداً للنظام، وضدّ من يشتبه في تعاونهم مع أعداء النظام.

باختصار شديد… إنّ ما أهدرته إيران من أموال على الميليشيات الموالية لها، وحرمان شعبها من الأموال، واتخاذ مواقف متطرفة من دون «تعقّل»، والانقلاب على الذات في كثير من الأوقات. كل هذه التصرفات أوقفت إيران اليوم، أمام بابٍ مقفل مسدود، يستجدي الولايات المتحدة وأوروبا، إنقاذها من المحنة الكبرى التي وجدت نفسها فيها… وهي واقفة أمام الحضارة الفارسية تبكي على أطلالها بدموع سخيّة… ولات ساعة مندم.

aounikaaki@elshark.com

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.