“اتفاق الإطار” بعد 3 أشهر: الجيش في “المربّع التجريبي”
بقلم ملاك عقيل
«أساس ميديا»
تستمر حالة المراوحة التي تزنّر الملفّ اللبناني في ما يخصّ واقع الاحتلال جنوباً، وتلبية نداء دعم الجيش، وإيجاد البديل عن قوات “اليونيفيل”، من دون أن يحمل اجتماع الجمعية العامّة للأمم المتحدة أو لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الخارجية الاميركي ماركو روبيو، المؤجّل منذ نيسان الماضي “بسبب الأوضاع الداخلية”، أي مؤشّر عملي لكسر هذه المراوحة، على أي من هذه المستويات.
عَكس أول من أمس وصول 70 مستوعباً من الذخائر المختلفة ضمن برنامج المساعدات الأميركية المخصّصة للجيش اللبناني إلى مرفأ بيروت، المؤشّر العملي لاستمرار تدفّق المساعدات، ولو “بالقطّارة” إلى المؤسّسة العسكرية، مُقارنة بالحاجيات المطلوبة.
عملياً، متطلّبات الجيش هائلة، والحنفية الدولية مقفلة بإحكام، فيما التوتر الآخذ في التصاعد في المنطقة، والستاتيكو الداخلي يمهّدان لمرحلة استنزاف طويلة جداً، والسؤال الأكبر التي يتمحور حولها هو: هل تنتهي هذه المرحلة بتدخّل أميركي دبلوماسي حاسم، كما يطلب لبنان؟ أم تفرض إسرائيل شروطها عسكرياً، وتتولّى مهمّة نزع سلاح “الحزب” كخيار أوحد يُمهّد لبدء انسحابها من لبنان مترافقاً مع تنفيذ الجيش لسلسة شروط قبل تسليمه مناطق الانسحاب؟
كل ما تفعله إسرائيل حتى اليوم، منذ لحظة الإعلان عن استيلائها على مرتفعات علي الطاهر، تدلّ على “قرار” احتلالي باتجاه قضم مزيد من البلدات الجنوبية، والسيطرة الأمنية على بلدات محرّرة، وبلدة دير ميماس نموذجاً.
العودة إلى البند 5
كان قد مضى أسابيع قليلة على توقيع اتفاق الإطار مع إسرائيل في 26 حزيران، الذي عدّه لبنان بمثابة إنجاز في التفاوض، حتى أعلن رئيس الجمهورية جوزف عون، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تفجّر قرى بأكملها وتمحوها من الوجود، وتتقدّم باتجاه الشقيف وعلي الطاهر والنبطية، “أنّنا كسبنا في المفاوضات اعترافاً بعدم وجود أطماع إسرائيلية في لبنان”.
كان عون يقصد المادة 5 من الاتفاق، التي نصّت أيضاً في بدايتها، على “أنّ عمليات إسرائيل العسكرية في لبنان تأتي فقط نتيجة للهجمات، والتهديد الذي تمثله، والنيّة العدائية للجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة، ولا سيما “الحزب”. وأنّ إنهاء هذا التهديد، (يتمّ) من خلال نزع سلاح هذه الجماعات، وتفكيكها في جميع أنحاء لبنان، إلى جانب ترتيبات أمنية إضافية يتمّ الاتّفاق عليها بين البلدين”.
قد يكون هذا البند الأكثر وضوحاً في الاتفاق لمعرفة لبنان “واجباته” و”الشروط” المطلوبة منه، أميركياً وإسرائيلياً، قبل أن تنفّذ إسرائيل ما ورد في الفقرة الأخيرة من المادة ذاتها والتي تنصّ على أنّ إنهاء هذا التهديد “سيقضي على أي حاجة مستقبلية لعمل عسكري، أو وجود عسكري للقوات الإسرائيلية في لبنان. وبناءً على ذلك، تعلن حكومة إسرائيل أنها لا تبغي أي أطماع إقليمية (territorial ambitions) في لبنان”.
يربط هذا النصّ بوضوح بين إنهاء تهديد “الحزب” (لإسرائيل)، الذي لم يحصل بعد، على الرغم من التزام “الحزب” باتفاق إسلام آباد منذ توقيعه في 17 حزيران، وتفكيك السلاح في كل لبنان، الذي لم يحصل بعد بسبب رفض “الحزب” المطلق وفشل الحكومة في تطبيق خطتها لحصر السلاح، وتوقيع اتفاقيات أمنية بين لبنان وإسرائيل (لم يحصل بعد)، وبين إنهاء الاحتلال والتأكيد بعدم وجود أطماع إسرائيلية في لبنان.
يبدو هذا الأمر كافياً، لتوقّع مزيد من جولات التمدّد الإسرائيلي وتوسيع رقعة الاحتلال والتفجيرات، في ظل المعطيات الآتية:
-التوتّر الاقليمي الآخذ في التوسّع في المنطقة، وعدم وجود مؤشرات حتى الآن لاتفاق أميركي-إيراني.
-الضغط الإسرائيلي الواضح لعدم السير بمشروع قوة أوروبية بديلة عن اليونيفيل، وعرقلة أي مسار دولي يؤدّي إلى إقرار مساعدات مالية وعينية ولوجستية للجيش اللبناني.
-التصنيف الأميركي-الإسرائيلي حتى الآن للجيش، مع فارق التوصيف بينهما، بأنه في “المقلب الآخر”، من المطلوب دولياً لجهة خوض واجهة مباشرة مع “الحزب” وسحب سلاحه بالقوة، وتفتيش المنازل بالقوة أيضاً.
-خروج أصوات قريبة جداً من محيط رئيس الجمهورية جوزف عون تحذّر من المسار القائم، ما يُمكن أن يرجّح كفّة “الحزب” في مقاربته لإصل التفاوض من أساسه. يحصل ذلك في الوقت الذي تكرّر فيه إسرائيل، قبل اتفاق 26 حزيران وبعده، بأن لا انسحاب من المنطقة الأمنية، إلا بعد تفكيك كل سلاح الحزب والقضاء على تهديداته.
نموذج ديرميماس
ما حصل في ديرميماس في اليومين الماضيين لم يكن تفصيلاً. فبيان الجيش الصادر قبل أيام ردّاً على الوقاحة الإسرائيلية، واعتداءات العدو، كان أقرب إلى حفظ ماء الوجه، والتدليل على أحد أوجه الأطماع الإسرائيلية. فبعد إقامة الجيش نقطة مراقبة مؤقّتة مستحدَثة عند أطراف البلدة، في 10 أيلول، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L، لمواكبة الأهالي أثناء تفقُّدهم الأراضي الزراعية، ألقت قوة تابعة للاحتلال الإسرائيلي قنابل صوتية بالقرب من النقطة المستحدَثة داخل ما يسمّى بالمنطقة الأمنية، وفق التوصيف الإسرائيلي.
بعد قيام الجيش بتعزيز النقطة، وحدوث استنفار بين الجانبين، وبنتيجة الاتصالات التي جرت عبر MCG4L، غادرت القوة التابعة للاحتلال الإسرائيلي المكان، كما جاء في بيان الجيش، ثم عاد عناصر الجيش اللبناني بعد ذلك إلى مركزهم الأساسي في البلدة.
لكن أمس، دخل الجيش الإسرائيلي البلدة مجدداً، بدباباته وآلياته، وفتّش بعض المنازل، وأقفل مدخلها ومنعه أهاليها من الدخول والخروج لفترة معينة، من دون أن يتمكن الجيش اللبناني من القيام بأي ردّ فعل.
هو واقع يتكرّر يومياً تقريباً، وفي نقاط قد لا يكون للجيش نقاط مراقبة فيها، على الحدود مع المنطقة الأمنية المحتلّة، من دون القدرة على ردع الإسرائيلي عن فعل أي شئ، وبعدما تحوّلت MCG4L إلى “ميكانيزم” ثلاثي، أميركي-إسرائيلي-لبناني، عاجز عن وضع حدّ للأطماع والخطط الإسرائيلية بالتوسّع، والتصرّف في المنطقة الأمنية، وما بعدها كمنطقة سيطرة إسرائيلية كاملة، والأهمّ تحويل المناطق التجريبية إلى مشروع “تخريبي” وَضَع الجيش اللبناني ضمن “امتحان تجريبي” لقدراته على مسك الوضع الأمني والعسكري جنوباً.
ملاك عقيل
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.