الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟ – 2
بقلم نديم قطيش
«أساس ميديا»
هنا يكمن المنطق الخفيّ الذي لم يستطع ويتكوف اختراقه: أيّ إصلاح سيفتح المجال السياسيّ العامّ، ويخلق منافسين على الخلافة، بين المعسكرات المتناحرة: الإصلاحيّين، البراغماتيّين، الشبكات الدينيّة البديلة، الحرس الثوريّ، التكنوقراط. كلّ منهم سيطالب بالعرش أو سيعطّل وصول آخرين إليه. في المقابل يريد المرشد للنظام أن يظلّ مغلقاً تماماً لإتمام المرحلة الانتقاليّة أكان لنجله عبر التوريث السلاليّ المستحيل في ظلّ نظام مفتوح، أو عبر مؤامرات ومكائد تستمدّ قوّتها وفاعليّتها من إحكام قبضته على مسارات الأمور.
واجه النظام السوفياتيّ في أواخر عهده ديناميّات مماثلة لما يمرّ به نظام خامنئي اليوم، حيث دخلت القيادة في حالة “الجمود العظيم”. لم يفتقر كلّ من يوري أندروبوف أو قسطنطين تشيرنينكو إلى إدراك الخلل، لكنّهما افتقرا إلى الأمان السياسيّ اللازم للإصلاح. في النظم العقائديّة، يُعدّ أيّ تغيير هيكليّ بمثابة اعتراف بالفشل يمنح الخصوم داخل أجهزة الدولة الذخيرة اللازمة للانقلاب على القمّة.
يدرك خامنئي أنّ أيّ تنازل لواشنطن، سيُضعف موقفه أمام الحرس الثوريّ، الذي استثمر عقوداً في عقيدة العداء. تماماً كما كان الحرس القديم في الكرملين يخشى أن يؤدّي أيّ انفتاح إلى تقويض امتيازات البيروقراطيّة العسكريّة، وتمرّدها على رأس النظام.
الجمود حتّى الموت
الدرس الذي تعلّمه خامنئي جيّداً هو أنّ محاولة ميخائيل غورباتشوف إصلاح النظام السوفيتيّ عبر البريسترويكا والغلاسنوست هي التي عجّلت بانهياره. يفضّل المرشد العجوز نموذج تشيرنينكو، أي الجمود حتّى الموت، بدل الإصلاح الذي يؤدّي للانتحار.
ربّما تكون الحقيقة الأعمق أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة لا تملك بديلاً أيديولوجيّاً إصلاحيّاً متاحاً لها. خطاب الإصلاح في أعلى تجلّياته في عهد محمّد خاتمي لم يكن يوماً حول تغيير بنيويّ، بل حول إيجاد مساحة داخل ولاية الفقيه للمجتمع المدنيّ.
ثمّة غياب للاهوت إصلاحيّ إسلاميّ شيعيّ، يتمتّع بدعم مؤسّسيّ وجماهيريّ كافٍ ليحلّ محلّ العقيدة الحاليّة. الحوزات في قُم التي كان يمكن أن تنتج نظريّة ديمقراطيّة إسلاميّة بديلة تمّ تطهيرها أو استيعابها بشكل منهجيّ، والنجف على أهميّة موقف السيّد علي السيستاني، تمتلك في العراق رصيداً شديد التناقض بين سموّ الأفكار ونبلها والواقع على الأرض.
استحالة الإصلاح انعكاس موضوعيّ لغياب وجهة إصلاحيّة يمكن أخذ النظام والناس نحوها، بما يتجاوز مجرّد الافتقار إلى الإرادة السياسيّة للإصلاح. في ظلّ هذا الفراغ، تنحصر خيارات خامنئي، في واقع الأمر، بين التمسّك بالجمود الهيكليّ أو مواجهة خطر الانهيار الشامل.
أضف إلى ذلك أنّ الهزيمة الإقليميّة للمحور بعد إضعاف “الحزب”، وسقوط نظام الأسد، وتدمير “حماس” في غزّة، وترويض الحوثيّ في اليمن، وضبط الميليشيات العراقيّة، تجعل الإصلاح أصعب لا أسهل. لم يكن “محور المقاومة” يوماً سياسة خارجيّة في المقام الأوّل، بقدر ما كان تقنيّة سياسيّة داخليّة.
برّرت المواجهة الخارجيّة القمع الداخليّ، وميزانيّات الجيش، والقيود الاقتصاديّة، وهيمنة الحرس الثوريّ. وعليه لن ترضى قيادات الحرس، ممّن بنوا مسيرتهم على مواجهة أميركا، بصفقة تهمّشهم، وهم يملكون السلاح لمواجهة هذا الاحتمال.
يُضاف إلى كلّ ما تقدّم أنّ الأنظمة الشموليّة، كالنظام الإيرانيّ، تطوّر تشوّهات في نظام المعلومات والوعي على مستوى القيادة. لن يستغرب القارئ أنّ بيئة خامنئي المعلوماتيّة “مفلترة” بشدّة، وتعطيه ما يريد سماعه ويعزّز قناعاته المسبقة. ردّ فعله على انتفاضة كانون الثاني 2026 وتحميل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب المسؤوليّة عنها ووصفه المتظاهرين بالإرهابيّين، برهان عن أنّنا بإزاء قائد لا يستطيع التمييز بين المؤامرة الخارجيّة وبين انهيار الشرعيّة الداخليّة. من يعتقد أنّ احتجاجات الأسابيع الماضية هي تدبير استخباراتيّ وليست نتاج 47 عاماً من فشل النظام، لن يتفاوض أبداً على التغييرات الجوهريّة التي يسعى إليها ويتكوف.
الإصلاحات المطلوبة
عند تجميع هذه القيود، تصبح الصورة واضحة. الإصلاح يتطلّب من خامنئي الذي لا يملك ترف الوقت أو الرؤية أن يقوم بكلّ هذه الأمور بالتزامن:
1- تقليص سلطته الإلهيّة.
2- تهديد المؤسّسات التي يعتمد عليها للبقاء مادّيّاً.
3- فتح مضمار التنافس على الخلافة وتعميق صراعات الأجنحة.
4- تبنّي إطار أيديولوجيّ دينيّ جديد لا توجد مؤسّسات داعمة له.
5- الاعتراف بواقع صُمّم نظامه لإخفائه.
لا يوجد قائد يمكنه فعل كلّ ذلك. عندما يعلن خامنئي أنّ المطالب الأميركيّة هي “هراء”، فهو لا يبيع أوهاماً وعنتريّاتٍ لجمهوره، إنّما يقرّ بحقيقة بنيويّة مفادها أنّ النظام الذي ورثه لا يمكنه الانحناء من دون أن ينكسر.
مأساة الجمهوريّة الإسلاميّة تكمن في كونها نظاماً استعصى على التحوّل المتفاوَض عليه، ما يجعل نهايتها مرهونة بشكل من أشكال التصدّع، سواء عبر التحلّل البطيء لأركانها أو الانهيار المفاجئ تحت وطأة الأزمات. إنّ التمييز الجوهريّ هنا هو أنّنا أمام نظام “يعجز” بنيويّاً عن الإصلاح، وهو شأن أخطر من كوننا أمام نظام يرفض ويُمانع التغيير. هذا الإدراك لواقع الانسداد التاريخيّ في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة هو ما يجب أن يرسم ملامح المرحلة المقبلة والتعامل الدوليّ مع طهران.
نديم قطيش
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.