الإنزال الإسرائيلي في البقاع: ما وراء العملية… ومعركة الظل على الصواريخ الدقيقة

2

مصباح العلي
لم يعد ممكناً التعامل مع الإنزال الإسرائيلي الأخير في البقاع بوصفه حادثاً أمنياً عابراً أو عملية محدودة الهدف. فالمؤشرات الميدانية والسياسية التي أحاطت بالعملية، كما بحجم القوة المستخدمة فيها، تكشف بوضوح أن ما جرى يندرج ضمن نمط عملياتي مدروس يعتمد عليه الجيش الإسرائيلي في إطار معركة استخبارية وأمنية مفتوحة مع حزب الله داخل العمق اللبناني.
لسنوات طويلة، ارتبطت بعض العمليات الخاصة الإسرائيلية في لبنان بالرواية التقليدية المتعلقة بالبحث عن مصير الطيار المفقود رون آراد. غير أن المعطيات الحالية توحي بأن هذه الرواية لم تعد تفسر وحدها طبيعة العمليات التي تجري اليوم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإنزال عسكري متكرر وفي منطقة شديدة الحساسية أمنياً كالبقاع.
العملية الثانية بدت، من حيث الحجم والتنفيذ، أكثر اتساعاً من الأولى. عدد المروحيات المشاركة كان أكبر، وعدد الجنود أيضاً، ما يعكس بوضوح أن الإنزال الأول لم يكن سوى خطوة استطلاعية أو عملية جس نبض ميدانية انتهت إلى معطيات استخبارية دفعت إسرائيل إلى العودة بقوة أكبر.
هنا تحديداً تبدأ الأسئلة الاستراتيجية التي تتجاوز تفاصيل العملية نفسها.
أول هذه الأسئلة يتعلق بما رصدته القوة الإسرائيلية خلال الإنزال الأول. فهل اكتشفت موقعاً ذا أهمية عسكرية عالية؟ أم التقطت إشارات تقنية أو لوجستية مرتبطة ببرنامج تطوير الصواريخ لدى حزب الله؟
ذلك أن البقاع، وفق تقديرات أمنية متداولة، يشكل إحدى العقد الجغرافية الأساسية في البنية اللوجستية للحزب، وخصوصاً في ما يتعلق بمشروع تحويل الصواريخ التقليدية إلى صواريخ دقيقة.
هذا المشروع تحديداً يمثل أحد أبرز مصادر القلق الاستراتيجي لدى المؤسسة العسكرية في إسرائيل. فالصواريخ الدقيقة، بخلاف الصواريخ التقليدية، قادرة على إصابة أهداف حساسة داخل العمق الإسرائيلي بدقة عالية، ما يغير قواعد الردع التقليدية ويقيد هامش المناورة العسكرية في أي مواجهة واسعة.
من هنا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على تنفيذ عمليات نوعية، سواء عبر الغارات الجوية أو العمليات الخاصة أو حتى الأنشطة الاستخبارية المعقدة، بهدف تعطيل هذا المشروع أو على الأقل تأخير تطوره.
لكن ما يلفت الانتباه في عملية الإنزال الأخيرة ليس الهدف المحتمل فحسب، بل الجرأة العملياتية التي رافقتها. فإسرائيل تدرك جيداً أن البقاع منطقة مراقبة بدقة من قبل حزب الله، وأن الانكشاف الأمني للعملية الأولى كان يفترض أن يؤدي إلى رفع مستوى الاستنفار والمراقبة في المنطقة.
ومع ذلك جرى تنفيذ إنزال جديد، رغم احتمال الرصد المبكر لحركة الطوافات. وهذا يعني أن القرار لم يكن تكتيكياً محضاً، بل نابعاً من تقدير استراتيجي بأن المخاطر العملياتية أقل من كلفة ترك الهدف المحتمل دون معالجة.
المعطيات المتوافرة تشير أيضاً إلى أن حركة المروحيات رُصدت منذ بداية العملية، وأن مسارها كان مشاهداً على الجانبين اللبناني والسوري. وهذا التفصيل يفتح بدوره باباً لفرضية أخرى: أن العملية قد تكون حملت أيضاً بعداً اختبارياً، هدفه قياس سرعة الرصد والاستجابة لدى الطرف المقابل، وربما رسم خريطة أكثر دقة لمنظومة المراقبة المنتشرة في تلك المنطقة.
في هذا السياق، لا تبدو هذه العمليات معزولة عن المشهد الإقليمي الأوسع. فالمواجهة بين إسرائيل وحزب الله لم تعد محصورة في خطوط التماس التقليدية على الحدود الجنوبية، بل تحولت تدريجياً إلى معركة متعددة المستويات تشمل الحرب الجوية، والعمليات الخاصة، والحرب السيبرانية، فضلاً عن صراع استخباري كثيف يدور بعيداً عن الأضواء.
إن ما جرى في البقاع ليس مجرد حادث أمني عابر، بل مؤشر إضافي على أن لبنان بات جزءاً من مسرح مواجهة استخبارية مفتوحة، حيث تتحرك القوى المتصارعة في الظل بحثاً عن أفضلية استراتيجية قد تحسم شكل الصراع المقبل.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الأكثر حساسية:
هل كانت عملية الإنزال مجرد جولة في معركة استخبارية طويلة، أم أنها إشارة مبكرة إلى مرحلة أكثر جرأة في الصراع الدائر على الأرض اللبنانية؟
الأيام المقبلة وحدها قد تحمل الإجابة. لكن المؤكد أن معركة الظل بين إسرائيل وحزب الله دخلت مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، حيث لم تعد الجبهات مرئية دائماً… لكن آثارها الاستراتيجية باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
مصباح العلي

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.